سوسولوجيا الوجوم

براءة الطرن – الأيام

في الحافلة أختار المقعد المعاكس لمقاعد الركاب، المجاور للباب، إذ لطالما تملكتني رغبة بالهرب ما لبثت أن تلاشت وحل محلها رغبات أخرى يناسبها أيضاً أن أراقب وجوه الآخرين كلما سنحت لي الفرصة.
ثلاث نساء يجلسن أمامي في مقعد خصص لاثنين ـ تفصيل لا يحق لي تجاوزه ـ فهن للوهلة الأولى متضايقات من الانحشار الذي يبدو تعاضداً عند التمعن أكثر، وكأنهن يتقصدن أن تلامس الواحدةكتف الأخرى لتطمئن.
وهنّ للوهلة الأولى غريبات تماماً، لا تجمعهن صلة قرابة ولا صداقة، سيما أن الملابس التي ترتديها كل واحدة منهن تختلف جذرياً عن ملابس الأخرى انطلاقاً من الألوان، وصولاً إلى الطبقة التي تنتمي إليها، مساحيق التجميل أيضاً، لون أحمر الشفاه خصوصاً، الإكسسوارات، كل التفاصيل تدل على أن كل واحدة منهن تأتي من عالم لا يمت للآخر بصلة، عدا تفصيل واحد ينسف الاعتقاد السابق عند التمعن أكثر.
وجوم وجوههن، أصابعهن التي تفرك بعضها، سيقانهن التي تهتز بعصبية، والأهم الابتسامة الهاربة التي تعرف أنها ما إن تثبت حتى تنهمر الدموع التي تلمع بشكل متماثل في عيون اختلفت أقلام الكحل التي تحددها.
أكاد أجزم إذاً أنهن ثلاث أخوات، حلّت بهن مصيبة ما، حزن عميق، ألم لا زال ساخناً، ولا زال علي أن أكتشفه.
الرغبات الأخرى التي تحدثت عنها بداية لطالما دارت حول اكتشاف آلام الآخرين، دراستهم، وإحصائهم، اكتشاف أسباب البكاء، وأسباب حبسه، أصل النوائب، وجذرها، لفضول أثارته في نفسي هذه المدينة منذ اندلاع الحرب فيها، ولأني لم أتمكن من دراسة علم النفس، ولا علم الاجتماع لاتفاق الجميع على أنهما فرعان لتضييع الوقت، والتضور جوعاً.
أدرس وجوه السوريين في كل مكان أحل فيه، أبحث عن آثار القهر فيها، أتفحص عيونهم جيداً، أبحث عن تلك المخارج التي ينفذ الهم منها، كيف يصرّفونه، على أي شكل!
كانت تلك رغبتي بالهرب أيضاً، تتلاشى لتبدو أكثر عمقاً، الهرب من كوني واحدة من أولئك الذين يكونون موضوعاً للبحث، وعدداً في الإحصائيات.
المهم، يبدو على الأخوات الثلاث أنهن فقدن عزيزاً.
موت مثلاً، لكن الموت لا يتناسب مع الظرف، الموت فيه عنصر يفضح نفسه دوماً، هجر ربما، هجرة أنسب، تغييب لا يُعرف له آخر، اختفاء لا يدرك له نهاية، فقر مثلاً، بطالة، أو راتب لا يسد رمق.
ألف احتمال أكاد أعد قبل أن تطلب واحدة منهن بصوت أقرب إلى الهمس الوقوف جانباً لتنزل، ودون أن تنبس ببنت شفة غير ذلك حملت نفسها وأغراضها وترجلت من الحافلة ناسفة بذلك الدراسة المبنية على سوء فهم، وتاركة لي أختين افتراضيات أصحح بهن ما بدأت.
لكن قبل أن أعد العدة لأتأكد من أنهن أختان فعلاً قررت واحدة أخرى الترجل بطريقة من سبقتها، وبنفس الهمس الذي يضرب بأفكاري عرض الحائط.
ما إن نزلت الثالثة أخيراً حتى وجدت نفسي أعيد ترتيب القصة، لم أكن أتخيل الوجوم، كان صادقاً، وواضحاً لدرجة لا أتمكن من تخطيها حتى لو لم أجلس في المقعد المعاكس، وحتى لو لامست كتف واحدة منهن لأطمئن، كما لم أكن أتخيل الحزن، أو المصاب اللواتي مررن به!
بعض الأنوف لا تخطئ بعض الروائح، وأنفي منذ تسعة أعوام لا يخطئ رائحة البؤس، رفعت عيوني عن المقعد الذي صار فارغاً الآن، نقلّته بين الركاب الباقين.
كان في المقعد الأخير راكب لا يزيح نظره عني، بعيون مخيفة، مريبة، وفضولية، تشبه عيوني عندما أدرس الآخرين، كان يتطلع لمعرفة المصاب الذي حل بي قبل أن أترجل.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر