“الفيفا”: تنظيم اللعب بالكرة.. وبالمليارات

115 عاماً على تأسيسه

أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، منذ أيام، إيقاف ثلاثة مسؤولين سابقين في اتحاد أميركا الجنوبية “كونميبول” مدى الحياة، وذلك بسبب تورطهم في فضائح الفساد التي هزت الكرة العالمية منذ عام 2015.

وكشف “فيفا” أنه قرر معاقبة كل من الأمينين العامين السابقين لاتحاد أميركا الجنوبية الأرجنتينيين إدواردو ديلوكا، وخوسيه لوس ميسنر، والرئيس السابق للاتحاد البيروفي مانويل بورغا، بالابتعاد مدى الحياة عن أي نشاط له علاقة بـكرة القدم.

ووفقا للتحقيق، فقد حصل الرجال الثلاثة على رشى مقابل العقود الممنوحة للشركات، من أجل حقوق نقل وتسويق مسابقات “كونميبول” واتحاد أميركا الشمالية والوسطى “كونكاكاف” بين عامي 2004 و2015.

وإذا كانت وتيرة الفضائح قد تراجعت قليلا منذ انتخاب السويسري جاني إنفانتينو على رأس الفيفا مطلع 2016،  إلا أن الملفات القديمة لا تزال تطفو على السطح.

وكانت هذه الملفات، التي لا تزال مفتوحة، قد اطاحت برؤوس كبيرة في المنظمة الرياضية العالمية، بينهم جوزيف بلاتر، الرئيس السابق للاتحاد، وجيروم فالك، أمينه العام السابق، وميشال بلاتيني الرئيس السابق للاتحاد الأوروبي لكرة القدم..

وأطلقت المبالغ المالية الكبيرة، التي دارت حولها التحقيقات والاتهامات، سؤالاً كبيراً

حول هذا الاتحاد وطبيعة أنشطته، وإذا ما كان اتحاداً للعبة كرة القدم وحسب؟

كرة.. للقدم فقط

يعرف الاتحاد الدولي لكرة القدم اختصارا باسم “الفيفا”، وهو الهيئة المنظمة للعبة كرة القدم في العالم، وقد تأسس في 21 أيار من العام 1904 في باريس، ويقع مقره بمدينة زيورخ في سويسرا. ويضم 211 من اتحادات كرة القدم في العالم.

في العام 1863 اجتمع 11 مندوباً من الأندية والجمعيات الإنكليزية في لندن، للبحث في كيفية وضع قوانين خاصة باللعبة، وبهدف إنشاء أول اتحاد رسمي لكرة القدم. فقبل ذلك الوقت كانت المئات من المدارس والأندية تمارس كرة القدم بقوانين خاصة بها، فقسم منها سمح للاعب باستعمال يديه وكتفيه أثناء اللعب، فيما مانع القسم الآخر استعمال اليدين، وعلى رغم هذه الخلافات اتفق الاتحاد الجديد على تحديد أصول اللعبة ووضع قانون موحد لها. وخلال العقد التالي تم إنشاء الاتحاد الويلزي وتبعه الاسكتلندي وثم الإيرلندي. وفي عام 1882 أسست الاتحادات الأربعة مجتمعة الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي حاول تنظيم اللعبة على مستوى العالم.

مع نهاية القرن التاسع عشر انتشرت لعبة كرة القدم في مختلف أنحاء العالم حيث تم نشرها من قبل البحارة والتجار البريطانيين. فمن أستراليا إلى البرازيل ومن المجر إلى روسيا أٌنشئت الاتحادات والأندية والمسابقات، وأدى ذلك النمو السريع إلى تكوين الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” في باريس في 21 أيار 1904، بعدما تم إنهاء دور الاتحاد السابق من قبل فرنسا وبمشاركة ست دول أوروبية، وأصبحت كرة القدم لعبة عالمية. والاسم الفرنسي لا يزال يستخدم إلى يومنا هذا حتى خارج نطاق الدول الناطقة باللغة الفرنسية. وكان أول رئيس للاتحاد هو الفرنسي روبير غيرين.

كرة قدم وأشياء أخرى

نشر الاتحاد الدولي لكرة القدم تقريرا ماليا عبر موقعه الإلكتروني يشير إلى أن دخل الاتحاد وصل إلى 5.3 مليار دولار من مونديال روسيا العام الماضي.

وأشار التقرير إلى أن الدخل الكامل لـ”فيفا” في الدورة ما بين الأعوام 2015 إلى 2018 وصل إلى 6.421 مليار دولار، أي أن الدخل الذي حصل عليه من كأس العالم 2018 في روسيا شكل 83% من جميع إيرادات الاتحاد.

وذكر التقرير أيضا أن “فيفا” حصل على إيرادات قياسية خلال دورة ما قبل الكأس، وأن الدخل من كأس العالم 2018 كان الأكبر، ليصبح مونديال روسيا البطولة الأكثر ربحا في تاريخ “فيفا”.

كما أوضح الاتحاد أن إيراداته في دورة 2011 ـ 2014 بلغت 5.718 مليار دولار.

أمام هذه الأرقام (وهي مجرد أمثلة وحسب)، فإنه من الصعب اعتبار الفيفا اتحادا للعبة ترفيهية فقط، بل إنه صار منظمة اقتصادية عالمية تدير المليارات، ما يفتح أنشطته على دائرتين بعيدتين تماماً عن الرياضة: السياسة والمافيا.

وكان الصحفي البريطاني الشهير أندرو جينينغز قد أصدر كتاباً، منذ خمس سنوات، حول ما يعتبره فساداً وعقلية مافيا تنخر جسد «الفيفا» من الداخل، وقد استدعى في العنوان عبارة من قاموس عالم المافيا الصقلية: «أوميرتا: فيفا سيب بلاتر. قصة مافيا»! وكلمة «أوميرتا» في عرف ثقافة المافيا الصقلية تعني «قانون الصمت»، أي عدم الحديث عن الجرائم أو كشفها، والإدلاء بشهادة الزور لصالح الشركاء في الجريمة إن تطلب الأمر ذلك! ولا يقتصر فرض قانون «الأوميرتا» هذا على أعضاء المافيا وحدهم، بل يُفرض أيضاً على كل من يحتمل أن يشهد ضدها أمام القضاء بإخراسه بأية وسيلة. ويذكّر هذا الكتاب بكتاب «بطاقة حمراء» الشهير للكاتب نفسه، الذي خصصه هو أيضاً لكشف ما يعتبره فساداً مستشرياً في مفاصل الاتحاد الدولي لكرة القدم. وقد ترجم ذلك الكتاب إلى 16 لغة عالمية، وتسبب لصاحبه في متاعب مع الفيفا، وصلت إلى حد رفع دعاوى قضائية فاشلة لمنعه.

وقد كتب مقدمة كتاب «الأوميرتا» اللاعب البرازيلي الشهير السابق روماريو، كما وضع غلافه الفنان أولي أندرسون، الذي كان بلاتر قد انتزع حكماً قضائياً يمنع نشر رسومه في سويسرا.

يقول أندرو جينينغز إنه أراد من تأليف هذا الكتاب كشف حقيقة أن «الفيفا تحت رئاسة البرازيلي جواو هافيلانج من قبل، ثم برئاسة السويسري سيب بلاتر، تتصرف تحديداً كما لو كانت نقابة جريمة. وقد قادني تحقيقي من مدينة باليرمو الايطالية، حيث رأيت المافيا كما هي، إلى مبنى الزجاج والرخام في زيوريخ، وصولاً إلى حرب العصابات في ريو دي جانيرو، متتبعاً آثار الصناديق الممتلئة بسبائك الذهب»!

ويقول الكاتب إنه “في البداية كنت أظن أنه لا يوجد سوى عدد قليل من المخادعين والنصّابين في هذا العالم، ولكن فيما بعد تواصل معي مصدر ممتاز داخل المنظمة وزودني بوثائق مالية داخلية. وعندها لاحظت أن حجم الفساد، والتكتم عليه، مثير حقاً. وليس الأمر متعلقاً ببعض النصابين فقط، بل وإنما هو متعلق بمؤسسة كاملة. لقد تحولت الفيفا إلى مافيا”.

ويقول الكاتب إنه قد تمكن مع صحفيين آخرين من عرض الفساد المنظم في قمة هرم الفيفا، حيث إن فضائح السنوات الأخيرة لم تلق ردود فعل حازمة من إدارة الاتحاد الدولي. و«كزعيم عصابة يرفض بلاتر إدانة زملائه، الذي ضبطوا وهم يدخلون أيديهم في الحقائب. وكذلك الماركات العالمية الكبيرة التي تمول الفيفا تلوذ هي أيضاً بالصمت، إن منطق الأميرتا هو سيد الموقف».

ويعرض المؤلف بين دفتي كتابه كثيراً من الوقائع ويحشد الشهادات والقرائن على ما يعتبره فساداً مالياً مستشرياً في زوايا وطوايا الاتحاد الدولي لكرة القدم، مؤكداً أن “بعض أعضاء اللجنة التنفيذية ليسوا، بالمختصر المفيد، سوى نصّابين إلى أبعد مدى، في حين يراقب الآخرون ما يجري وهم ينظفون أظافرهم بصمت.. ذلك أن نقود الكرة تزيّت كافة عجلات الفيفا”.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر