إجابتان خاطئتان عن سؤال واحد

الحياة لا تحمي المغفلين

مروة ياسين

“دكتورة”.. كان جوابي تقليدياً، ككل أجوبة تلميذات صفي، على السؤال التقليدي لمعلمتي زكية: “ماذا تريدين أن تصبحي في المستقبل؟”، وكان المتعارف عليه بأن الفتاة الشاطرة ستصبح طبيبة والكسولة ستصبح خياطة، وتلك القاعدة كانت تستخدم للثناء على عمل طالبة بالقول: “يبدو أن فلانة ستصبح دكتورة”، وتوبيخ أخرى بالقول: “اضحكوا على فلانة ستصبح خياطة”.

 خرجت عن ذاك القالب في الصف العاشر بعد إعلان ميولي الأدبية، إذ لفت نظري أن موضوع التعبير هو أكثر ما يرفع علامتي في مادة العربي.

ميلي للفرع الأدبي جاء بالتوازي مع تحديد رغبتي بدراسة الإعلام، وذلك بعد أن وجدت جريدة قديمة تنشر قوائم مفاضلة تعود لعام 2010، حيث علمت بأن كلية الإعلام يُطلب لها مجموع أقل في الفرع الأدبي، وفعلاً دخلت الإعلام ودرسته بكل شغف، وعملت بعد التخرج في ثلاث وسائل إعلامية. استقلت من الأخيرة بعد أن حصّلت خبرة في التعامل مع السذج، وبضعة أمراض نتيجة التعفن وراء المكتب، وكمية يأس كافية لتنسيني سبب تلك الغلطة التي ارتكبتها قبل خمس سنوات.

تلك الغلطة التي أودت بي إلى ميدان لن نجد لوصفه أفضل من العبارة العامية: “عفرة وغبرة وقلة واجب”، لكن ما يواسيني بأن حال الصحافة هو حال غيرها من التخصصات، فعلى هذه الرقعة من الأرض ليس ثمة ارتباط بين ارتفاع الدرجات العلمية وارتفاع مستوى المعيشة.

إذ لو بقيت على رغبتي التي أعلنتها في الصف الأول وصرت طبيبة، لكان حالي اليوم كحال أحد أصدقائي من خريجي الطب، أركض لإنهاء اختصاص ما في أحد المستشفيات الحكومية مع تحمل عناء مناوبات ليلية و”بهدلة” صباحية، مع راتب قد يكفي لأجور المواصلات وقد لا يكفي، ولكن المهم أنه أقل من راتبي اليوم على الرغم من تواضع الأخير.

أما صديقتي التي أنهت دراسة الحقوق فهي اليوم تتوسل مكاتب المحامين لتدريبها بالمجان، وثمة خريج حقوق آخر توظف في دائرة حكومية، لكنه أخبرني مؤخراً أنه يعمل معلماً خصوصياً بعد الدوام ليتمكن من إعالة أسرته.

“حمداً لله.. فحالي أفضل من حال كثيرين حولي”.. هكذا بقيت أواسي نفسي وأغض البصر السمع وكل الحواس عن من هم أحسن حالاً مني، لأبقي على حافز يدفعني للاستمرار. لكن الأحسن حالاً فرض نفسه عليّ مؤخراً.. كان صبياً في السابعة عشر من عمره يعمل في ورشة تصليح، ركب بجانبي في السرفيس وسمعت حديثه مجبرةً، لأعلم أن راتبه مثل راتبي بالضبط، غضضت السمع مجدداً لأتابع طريقي إلى العمل مع طاقة كافية لأنجز مهامي.

إلا أن ذلك اليوم أبى أن ينتهي بسلام، حيث اختتم باتصال هاتفي مع أختي. كان حديثاً طبيعياً إلى أن فُتح موضوع راتبي على مسمع زوجها المهندس، ليبادر هو بعد سماعه الرقم بالضحك قائلاً: “مروة تعالي إلى معملنا. عاملة النظافة راتبها أكثر منك بعشرة آلاف”، رددت عليه بكبرياء مستعيرة سخريته: “لا أريد أن أصبح مثلك.. درست الهندسة المدنية وتعمل مراقب جودة في معمل زجاج”.

تذكرت، إثر المكالمة، إحدى خياطات المنطقة التي أسكن فيها، لا أحد يستطيع مناداتها إلا بـ “مدام فلانة”، تقديراً لمكانتها الاجتماعية المرتفعة مثل أجور خياطتها لفساتين الزفاف والأطقم الرسمية التي تليق بسيدات المجتمع الراقي. تمنيت لو يعود بي الزمن إلى الصف الأول، لأخبر معلمتي زكية، بكل ذكاء وفطنة وبصوت مرتفع ومنسوب ثقة أكثر ارتفاعاً: “أريد أن أصبح خياطة”.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر