جملة تناقضات اسمها أبو حسين

مروة ياسين

يلقب بـ “أبو حسين” مع أن اسم ابنه الأكبر محمد. يسكن وحيداً مع أنه متزوج ولديه خمسة
أطفال. يوزع المساعدات مع أنه أكثر من يحتاجها. خريج معهد زراعي لكنه لا يأكل الثمار
حتى تسقط أرضاً. ويعمل ناطوراً مع أنه متعلم.. تناقضات كثيرة تنطوي عليها حياة جاري أبو
حسين. إلا أنك إذا اقتربت منه أكثر ستعرف ما سر كل تلك التناقضات وما هي مبرراتها.
يوم أبو حسين (40 عاماً) يبدأ قبل الفجر، حيث يستعد للصلاة في الجامع الذي يذهب إليه
ماشياً ليكسب أجراً أكبر، ويصل قبل أن يُفتح الجامع، فيجلس على العتبة بالانتظار، ينتهي من
الصلاة ليبدأ الاهتمام بمزرعته، ومن ثم يضع كرسيه خارجاً، كمحطة استراحة بين أعماله
التطوعية غالباً، وكمحطة هداية للمارين في هذا الطريق.
طريقي الوحيد للعمل ومروري الحتمي من أمام باب منزله وعمله في آنٍ معاً، كانا سبباً في
هدية صباحية أحصل عليها كل يوم على شكل كمشة ياسمين، اتلقاها بعد أن ألقي تحية
الصباح. يدعوني بلهفة كي انتظره: “استني شوي لا تروحي ها”. يعود مسرعاً وبيده كمشة
الياسمين المعتادة، ومن ثم يطلب مني فتح يديَّ بالقرب من بعضهما لاستلام هديتي و إعلان
بدء يومي برائحة جميلة.
كمشة الياسمين التي تُقدم لكل من يعرف أبو حسين ويمر ببابه صباحاً، قد تترافق مع حبة
فاكهة في حال كان المار أكثر حظاً وصادف مروره سقوط ثمرة من أحد الأشجار، لأن هذا
هو شرطه لتقديمها لصاحب النصيب، أو ليأكلها هو إن سمح له ضميره الحي “أكثر من
اللازم”، ففي كل سنة نرى حبات شجرة التوت متعفنة على الأرض ودون أن يسمح لنفسه أن
يقطف منها حبة فتتعفن بأرضها كونها لا تصلح للأكل بعد أن تسقط، وحال مزرعة فواكه
بكاملها زرعها خريج المعهد الزراعي بنفسه ويحرسها كحال شجرة التوت تلك، فلا يتذوق
حبة منها إلا إذا سقطت من تلقاء نفسها أو بادر صاحب المزرعة بتقديمها له بيده، وغير ذلك
لا.
الياسمين والفواكه المجانية ليست كل ما يقدمه أبو حسين، فالمعلبات الغذائية التي كان يتلقاها
من أصحاب عمله كصدقة يوزعها على فقراء المنطقة، ويخصني وصديقتي منها بعلب
الشكولاتة لكوننا طالبتي جامعة، وهذا ما جعل منه موزع مساعدات محلي وعرّفته بفقراء
المنطقة ومهجريها وبقصة كل عائلة منهم مما أكسبه لقب مختار الفقراء.

إلا أن حمل ذاك اللقب له ضريبة إضافية، ففي أحد الأعياد ومن بين 11 خاروفاً ذُبح أمامه
ونظف هو مكانها وقطّع اللحم ووزعه، كاد أن يحصل على كيلو غرام من اللحم قدمها له
صاحب العمل لولا أن طُرق بابه عند الغروب، فإذا بامرأة ممن اعتادوا مساعدات أبو حسين
تعاتبه وتسأله حصة من اللحم الذي وزعه، وبالطبع فقد قدم لها الكيلو الأخير.
“مختار الفقراء” هو أفقرهم، وثيابه المتعبة من التنظيف اليدوي أكبر دليل، ولكنه عوض ذاك
الفقر بغنى إنساني وثقافي، فحاجته لكل شيء في حياته لم تمنع الناطور المتعلم من تطبيق
علمه على تلك المزرعة، كما لم يمنعه عمله من زيادة ثقافته ببضعة كتب في أوقات فراغه.
لقب مختار الفقراء كان مبرراً أكثر من لقب أبو حسين الذي اكتسبه نتيجة عرف ثقافي في
منطقته، حيث يطلقون على كل من يحمل اسم “علي” لقب “أبو حسين”، هذا اللقب يرافقه منذ
الصغر على الرغم من أنه تزوج وسمّى ابنه الأكبر محمد.
كبُر محمد وأربعة من أخوته ولكن بعيداً عن والدهم، لدرجة أنهم باتوا ينادونه بـ”عمو”، ذلك
أن أمه تحتجز زوجته وأطفاله من باب “الموّنة” وتخفيف المصاريف عليه وكي لا ينسى أن
يرسل لها مصروفها الشهري.
كذلك هي حياة أبو حسين: يعتني بمزرعة فواكه ليس له نصيب من ثمارها. ويأخذ راتباً لا
يحصل إلا على ربعه. ويُنادى بلقب ليس له. ولديه زوجة وأولاد ليسوا معه.. ويقدم للناس ما
يحتاجه هو.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر