احذروا اللحم ولو في الصين

لجين سليمان

ظل زميلي اليمني مصراً على أن الصينيين مجموعة من الآلات تعمل ليل نهار دون أي جدوى، أما “إنساننا العربي فهو يملك عواطف، وبالتالي لم يُخلق للعمل فقط”، على  حد تعبيره.

وعلى الرغم من أنني قد اظهرت مراراً عدم اهتمامي بجميع أنواع اللحومات، إلا أنه أصرّ على تعليمي معنى كلمة “لحم الخنزير” باللغة الصينية، كي لا أقع في فخّ الحرام.

هو الشاب الثلاثيني القادم من اليمن، لا من أجل الحصول على الدكتوراه، بل هرباً من الحرب، يقول: “إن انتهيت من الدكتوراه في الهندسة الجيوتكنيكية، ولم تكن حرب اليمن قد انتهت، سأقدم على منحة دكتوراه ثانية”. ويضيف: “شو ورايي، ما بدي ارجع عاليمن”.

لم يزل يحاول إحضار زوجته  وابنته من بلده، وبين الحين والآخر يتذكّر أزماتهم قبل الحرب، والتي كانت مشكلة السكن إحداها. يقول: “أحاول تجميع ثمن منزل، لأني لم أزل أقيم مع أهلي، وإذا كانت زوجتي لا تزال تريد السكن في منزل لوحدها، بتزوج غيرها”، ويتابع بحسرة: “مع أني أخذتها عن حب”.. 

يتابع حديثه عن أسباب مجيئه إلى الصين، قائلا “بتعرفي شعوبنا العربية تغرّها المظاهر، وأنا بدي اترشح للبرلمان، وبالنهاية لما بصير دكتور بصير الموضوع سهل”.

وهو لا يوفّر فرصة كي يتذمّر من أبسط الأشياء إلى أكبرها، شأنه شأن أي عربي حُرم من حقوقه وحصل على بعضها في بلاد غير بلاده، ولذلك يكره أي أمر أو قرار جديد يصدر بحق الطلاب الأجانب، ويعارضه بدون أي سبب.

فعلى سبيل المثال يذهب إلى أستاذه المشرف، ويطالبه بتخصيص مكتب له لأنه لا يستطيع أن يدرس في المنزل، وعندما يحصل على ما يريد، يتذمر لأنه قد ألزم بدوام طويل في المكتب.

في إحدى المرات التي دعانا فيها أستاذنا المشرف لتناول وجبة العشاء معه، لم يكن يشغل باله، سوى الهمس لي سرا أن معظم أصناف الطعام تحتوي على لحم الخنزير، وكانت صدمته كبيرة عندما عرف أنني أشرب “الخمر”، قائلا: “وتنهين الكأس بالكامل؟!”.

وفي الأثناء التي دعانا فيها أستاذنا لأداء القسم من أجل مبايعة العلم والعمل (لا الخليفة أو الأمير)، وبينما كان جميع الحاضرين، يرفعون أيديهم، كي يقسموا على بذل مزيد من الجهد، كان يسألني خلسة عن نسبة انتشار لحم الخنزير في سوريا.

وأما عندما يراني آكل قطعة من الحلوى، فلا يتردد في أن يقول لي: “انتبهي، ربما تحتوي على زيوت من دهن الخنزير”.

مسكين هذا الشاب، مساكين نحن القادمين من البلدان العربية، نجوب طرق العالم، ليس بحثاً عن الأفضل، لكن هرباً من الأسوأ، من الموت. ومع ذلك فلا الموت الذي يطاردنا، ولا شط الأمان الذي يستقبلنا، ينجحان في نزع حفنة الأوهام والكوابيس التي نتشبث بها، وبدلاً من أن نتكيف مع العالم الجديد الذي هرعنا إليه، نجلس بكسل منتظرين أن يتم حملنا على كفوف الراحة، فقط لأنننا نحمل بضعة أفكار ذهبية، محصنة من الفساد.. عصية على التغيير!.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر