اختطاف حادثة اختطاف

براءة الطرن

الساعة لم تتجاوز الثامنة، تجاوزت مكالمات والدتي الثمانية، تستفسر عن سبب تأخري، تلعن الكراجات، المكاري، و”نصاص الليالي” التوقيت الذي يبدأ مع الغسق، عند أذان المغرب، حين يفر النهار هارباً، تاركاً لنا العتم، وجوب الهرب من مدينة تبدل القدم التي تقف عليها منذ الصباح قبل أن تدوسنا دون انتباه، ووجوب العودة إلى المنزل.

لم تكن الكراجات حجة واهية، كنت أنتظر فعلاً دون جدوى، أروح جيئة وذهاباً، تتغلغل رائحة اللحم المشوي الذي تبيعه سيدة غير آبهة بأدوار المجتمع، ولا صوره النمطية في أنفي، تثير فضولي لا شهيتي لمعرفة نوع الحيوان صاحب اللحم، ثم تحليل حظه العاثر الذي كان سبباً رئيساً لبيعه في الكراجات بثمن بخس، يد ناعمة أمسكت بذراعي، وبقوة سحب لا تتناسب مع تلك النعومة سحبتني إلى جانب الطريق، دون مقدمات قالت: كيف تقفين شاردة أمام سيارة “مفيمة”، “ما سمعتي بحوادث الخطف”، لم أفق من شرودي رغم علو صوتها، ويدها التي لا زالت تمسكني، طقطقت أصابعها في وجهي لتتأكد من سماعي لها، أو صحة سلامتي العقلية، وحين تنبهت حواسي كلها شرحت خوفها: أني شابة في مقتبل العمر أسير وحيدة، وهائمة في مكان موحش، ومظلم ـ رغم من أن المكان يعج بآخرين مثلي، وأننا نتهافت للحصول على كرسي منذ أكثر من نصف ساعة دون جدوى- حين بدا الاستخفاف واضحاً على وجهي باتت تسرد لي قصة تلو الأخرى عن جارة ابن عمتها الي خُطفت، وسلفة ابنة خالتها التي وجدت مقتولة في مكان بعيد..إلخ حتى كدت أشك أني في حضرة أجاثا كريستي، وأن علي رفع القبعة تقديراً للحبكة، مع ذلك لم يكن حديثها مثيراً، المثير غيابي التام عن الإثارة الجديدة في الأسواق السورية، وتلك الروايات البوليسية التي يتداولها الشعب شفهياً، النوايا الخفية للأفعال العادية، الخوف، بث الخوف، ونشر وسائل الحيطة، والحذر، كان الجميع متفقاً على أن الشر قاعدة في هذا المكان، والزمان، وأن قيمة الإنسان غالباً ما تتجلى في سعر أعضائه، لذا يخطف الأشرار أشخاصاً لا على التعيين، بغير قاعدة، أو قوانين.

كنت خارج دائرة “الأكشن” حتى تلك اللحظة التي قررت فيها سيدة مجهولة توعيتي، ولفت نظري إلى وجوب أخذ الحيطة عند مقابلة المجهولين، لاسيما أني أرتدي حذاء ذو كعب عالي يعيق هروبي عند الخطر، كما وصفت ويدها لا زالت تمسك ذراعي!

ضربت أنفها برأسي، حسب أشهر الحركات القتالية في الأفلام الأجنبية، أفلتت يدها، أفلتت الحذاء، وركضت هاربة، لم يكن حظي عاثراً كذاك الحيوان المسكين، كان لي مكان شاغر في مكرو، ما إن غادر المكان حتى هدأت أعصابي، أمسكت ذراع الشابة الجالسة إلى جانبي، سألتها: ما سمعتي بحوادث الخطف!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر