ارسمني لأكتبك

براءة الطرن

صديقي يرسم، يرفض أن نسميه رساماً لأنه لا يمتهن هذه الموهبة، كما يرفض أن نسميه فناناً رغم أنه يتفنن في رسم أدق تفاصيل الوجه البشري، وينجح في التقاط تعبير عابر، لقطة في شارع، أو شخصية جانبية في رواية يابانية، يرفض التسميات ويفضل أن يظل حراً كما لوحاته التي لا تتبع مدرسة، ولا أسلوباً.

ولأني لا أؤمن بوجود حرية حق هنا تجاهلت طلبه، واستغللت تلك الموهبة لأتفاخر أمام الأصدقاء الآخرين عديمي المواهب، كما تتفاخر الصلعاء بشعر ابنة أختها، أقول “صديقي رسام”، “صديقي فنان”، مع تكرار تلك الجملة على لساني شعرت بثقل واجب ملقى على عاتقه تجاهي، على صديقي أن يرسمني!

كلما وضع “لايك”على صورتي الشخصية في فيسبوك أرسلت لأسأله “حلوة؟”، وقبل أن يجيب أكون كتبت جملة معاتبة، وحانقة “وعلى اعتبار أني جميلة لِم لم ترسمني بعد”، يرد مجاملاً “حلوة” فأضغط زر الإرسال، وأضغط صديقي بتبريرات يضطر لتبديلها كل مرة لأكف عن الإلحاح، لا سيما أني لا أترك فرصة دون تذكيره، في عيد ميلادي مثلاً طلبت هديتي بالاسم، والشكل، واللون، لم أفهم سبب رفضه الدائم، وتهربه المستمر، شتمته سراً، وانقطعت عن التواصل معه.

حين تخرجت من كلية الحقوق باتت الاتصالات تتوالى علي، بعضها مهنئ، وأكثرها مستشير، رغم أني لم أمتهن المحاماة بعد، ولا تؤهلني السنوات التي عملتها في مكتب محامي للإجابة، رفضت أن يسميني أحد أستاذة لاسيما أن الأمر مخالف لقانون تنظيم المهنة، مع ذلك تجاهل الكثيرون طلبي، وتم حشري في زاوية إما الإجابة، أو الشتم بحجة أني متكبرة، أو لا أفهم.

رغم أني لا أؤمن بعاقبة أفعالنا، لكن الأمر يبدو أكثر وضوحاً حين نقارنه، كنت أشرب من كأس لطالما سقيته منها، وكنا نشرب جميعاً من نبع واحدة، نبع “الموانة”، التي تفرض علينا أياً كان العمل الذي نتقنه أن نفعله بالمجان، في أي وقت، وفي أي مكان، دون أن يترك لنا مجالاً للرفض.

الموانة التي تسمح لأي شخص قريب منا، أو بعيد أن يأخذ جهدنا ليتباهى به، ينشره باسمه، أو يوفر به مالاً، يحرجنا، يضغط علينا لنجد مبررات نضطر لتبديلها كل مرة ليكف عن الإلحاح، فإن كنت رساماً قال “ارسمني”، كاتباً “اكتب عني”، مغنياً “غن لي”، طبيباً “هذا دائي”، صيدلانياً “ما الدواء”، محامياً “ما الحل؟”، شاعراً “ما الشعور؟”.

فهمنا الاشتراكية أكثر ممن وضعها، وطبقناها دون حدود، فلا قيمة لأي فعل فردي، على الجماعة أن تكون سعيدة، وسعادة الجماعة في الصمت، والإذعان.

تذكرت صديقي بعد هذا العصف الذهني، ونقد التصرفات الاجتماعية التي نبدي لها ما يكفي من استنكار، واستهجان.

أرسلت تحية، واعتذار، بعد الأخذ، والرد، وتبادل الأخبار، قلت له “سأكتب عنك في الجريدة”، وقبل أن يسأل عن مضمون المادة أكملت “ترسمني في المقابل”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر