الحب. الحب. الحب

براءة الطرن

قبل عقد تقريباً بدّلت وزارة التربية المناهج الدراسية تبديلاً جذرياً من الشكل إلى المضمون، لم يعد الكتاب متوسط الحجم، ولم تعد الصور بالأبيض، والأسود، كانت خطة حكومية مدروسة لإضفاء اللون على حياة السوريين من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، وإضافة النشاطات المنزلية، والترفيهية، كانت نقلة نوعية في التعليم أثارت الكثير من المفاضلات بين الماضي، والحاضر، مصلحة الوزارة، ومصلحة المواطن، الأمر الذي لا يعلق في الذاكرة كما تعلق تلك الشائعة التي تداولناها حينها: هدف الوزارة الأول حذف القصائد الغزلية من كتب اللغة العربية، واستبدالها بأخرى قومية تتغنى بالأمة، وعزيمتها.

أذكر جيداً ـ كما يذكر أصدقائي أيضاً ـ أننا في ذلك العام فتحنا كتاب اللغة العربية دوناً عن كل الكتب، وبحثنا بأكف متعرقة عن القصائد المقررة، لنتأكد من صحة اتهامنا الوزارة بالتشدد، والتزمت، وصحة اتهام الوزارة لنا بعدم صلاحيتنا للحب!

كانت غالبية القصائد عائمة في بحر من الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب، أما ما تبقى منها فيكتب عن المرأة بوصفها أرضاً، ووطناً، أو عن الأرض، والوطن بوصفهما امرأة، مما أثار حفيظتنا كمراهقين لدقائق معدودة، ما لبثت أن انتهت بدق الطبول ـ المقاعد المدرسية ـ توزيع العصائر، والشطائر، والاحتفال، لقد “نفدنا” من لغة امرؤ القيس، جميل، وبثيناه.

 كان احتفالنا ذاك سقطتنا الأولى، دفعنا ثمن الراحة، والتقاعس غالياً، ولكي لا نضطر لإعراب البيت هدمناه على رؤوسنا، التصقت بنا تهمة جاهزة، ومفصلّة على قياسنا ـ كما كل التهم حينها ـ وأصبح الجميع يعرفنا كأجيال باعت الحب بثمن بخس، لم يبحث أحد في الدوافع، ولا الأعذار المحلة، ولم يتكلف أحد عناء الغوص إلى دواخلنا، واستكشاف ما تحت الغوغاء، والضوضاء.

لم نمتلك الحب لنبيعه، لم نعرف شكله، ولا ماهيته، لم نصلح للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب، كل ما عرفناه عن الأمر كان مشوهاً، ومشروطاً لا يستحق، لم نسمع الكلمة تنطق بشكل صحيح، لم نعش التجربة، ولم نتعلم أن “نحب أنفسنا أولاً”، لم نحدق في انعكاسنا على المرآة، لم نتعرف على أجسادنا، ولا أرواحنا.

ولد الحب في العائلة مطاطاً، يتوسع، ويضيق، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كشرب كأس الحليب لتحبنا أمهاتنا، طي الملابس، ترتيب الأسرّة، التفوق على الأقران، ابن العمة، وابن الخال، كما تنفيذ الأوامر ليحبنا آباؤنا، النوم مبكراً، والكفّ عن مشاهدة التلفاز، أن نحبهم أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب اسم العائلة، مذهبها، دينها، والمدينة التي يعود القيد إليها.

وكبر الحب في المدرسة أبكماً، لا يسمع، ولا يتكلم، مقترناً بأفعال يومية، ورتيبة كالالتزام بالزي المدرسي لتحبنا المعلمة، تسريح الشعر، تلميع الحذاء، تقليم الأظافر، حل الواجب، والكفّ عن النقاش، أن نحب المدرسة أيضاً دون التفكير في الأمر، أن نحب المديرة، المدرّسات، والصفوف.

نجحنا في اجتياز تلك المرحلة رغم الخسائر، والأثر العميق في نفوسنا غير المدركة النواقص، والعيوب، خرجنا للشارع نحمل مشاعر لا يعول عليها، نركل الرصيف، والأحجار، تركلنا الأزقة، والحواري، نلهث خلف الأمجاد الماضية، العروش، الجماهير، والحرب بما تخلفه في سياق ذلك من خيبات، وخوف.

كان الخوف أكثر الأشياء وضوحاً، وشفافية، لم نختبئ منه، ولم يختبئ منا، كان جلياً، جليلاً، نخاف رب البيت، رب المدرسة، ورب الشارع، نخاف الجماعة، الانتماء إليها، والخروج عنها، نخاف الرفض، ونخاف القبول، الخوف المحرك الأول للأجيال غير الصالحة للحب، والمثبط الأول أيضاً، فالخوف لا يجمع الأفراد بذات القوة التي يفرق بها الجماعات، ويدفعهم للتدافع في رحلة البحث عن مخبأ، وعلى الرغم من أننا لم نستطع أن “نحب أنفسنا أولاً”، إلا أننا استطعنا أن نخاف أنفسنا أولاً، ثم نخاف الآخرين.

نخاف المرأة، ولا نعرف سبب كون ما على الألف همزة حيناً، ومد أحياناً، الرجل، ولا نعرف الفرق بين الجنس، والنوع، كما نخاف أبناء النوع، العلاقات العاطفية، الأسرية، وعلاقات العمل، المرات الأولى الأكثر شغفاً، السعادة الخاطفة الأكثر صدقاً، الشفاه الأكثر شوقاً، العطشى حقاً، الحزب الواحد، والتعددية، السكين التي يهدد الجار بها لـ”شق الطابة”، الجار، والطابة، القيد المشدود إلى أعناقنا، القيد، والأعناق، القصائد التي أزالتها الوزارة، الشعراء، والوزراء.

نركض، نلهث، ونفشل، الخائفون فاشلون، غير صالحين أبداً للكتابة عن الحب، القراءة عن الحب، والحب.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر