“مؤسسة ضمان المخاطر” أحد الإسعافات الأولية لليرة

د. سلمان الحكيم

من البديهي في أي اقتصاد يعاني من أثر تضخمي او انكماشي، او أي خلل هيكلي، أن يتجه التفكير لزيادة الانتاجية، للبدء بتصحيح الخلل، ولزيادة الانتاجية لا بد من زيادة المنتجين، ولتحقيق ذلك لا بد من تشجيع العمل والمشروعات، وأول خطوة في تنمية المشروعات هي تأمين الفرص التمويلية لأصحاب المشاريع ولرواد الأعمال، وخصوصاً على المستويات الصغيرة والمتوسطة.

وأمام المشهد الحالي في الاقتصاد السوري، والذي يعرفه الجميع، ولا معنى لإعادة شرح تفاصيله، فالواجب أن نبحث عن حلول، ونسلط الضوء على الاجراءات والمواضيع التي يمكن أن تساهم في وقف نزيف الليرة، وتنشيط الانتاج في القطاعات المختلفة، وهذا يتطلب تفعيل عملية الاقراض وتوسيعها، خصوصاً أن حجم الموجودات لدى المصارف يقارب 1500 مليار ليرة، وهي بوضعها الحالي تشكل عبئاً على المصارف، وتفوّت فرصاً على الاقتصاد الوطني.

ومن أهم الأدوات الازمة لتنشيط القروض هو مؤسسة ضمان مخاطر القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لأسباب سيأتي ذكرها في هذا المقال.

تعدّ المعاملة التفضيلية التي تحصل عليها المشروعات الكبيرة الحجم الدافع الرئيس لاستحداث برامج ضمان مخاطر القروض، بهدف تسهيل التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة المستهدفة، وتمكينها من الحصول على التسهيلات الائتمانية، عن طريق ضمان مخاطر هذه القروض لدى المصارف والمؤسسات المالية، مما يؤدي إلى زيادة إقبال المصارف على منح التسهيلات الائتمانية لشريحة أوسع من المستثمرين، وأصحاب المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية، الذين لا تتوافر لديهم الضمانات التقليدية الكافية.

انطلاقاً من ذلك، فإن إعلان مصرف سورية المركزي عن تأسيس مؤسسة ضمان مخاطر القروض للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم يعتبر من الخطوات الهامة التي قد تنعكس بشكل إيجابي على الاقتصاد السوري عموماً وعلى سعر صرف الليرة خصوصاً وذلك على اعتبار أن تفعيل التمويل للعمليات الإنتاجية والمشروعات الاستثمارية سيساعد في زيادة الإنتاج المحلي ودفع عجلة الاقتصاد، وما لذلك من تأثير كبير وايجابي على قيمة الليرة.

من حيث المبدأ، هناك أهمية استراتيجية كبيرة في فكرة إنشاء مؤسسة ضمان مخاطر القروض، وخاصة أنها قد تؤدي إلى تحسن في قيمة الليرة وإن كان ذلك على المدى الطويل. ووفقاً للمعلومات المتاحة لنا حتى الآن، فإنه من المؤشرات الإيجابية أن المؤسسة ستحدث على شكل شركة مساهمة خاصة مغفلة، وهذا الشكل القانوني يتناسب أكثر مع الآلية المالية التي تتطلب المرونة والسرعة بالمقارنة مع صناديق الضمان الحكومية التي تتسم بالجمود، كما أنها عرضة وبشكل كبير للفساد. ومن جهة أخرى، يساهم في تأسيس الشركة المصارف العامة الستة بنسبة 41.16%، والمصارف الخاصة بنسبة 54.28%، والمؤسسات المصرفية الاجتماعية بنسبة 4.56%، مما يعني توزيع واقتسام مخاطر القروض الممنوحة بين هذه المؤسسات المالية المؤسسة للشركة.

وهنا لابد من لفت انتباه الأطراف المعنية بضرورة عرض أنظمة المؤسسة على ذوي الاختصاص لإبداء الرأي، وخاصة فيما يتعلق بنظام ضمان مخاطر القروض، فمثلاً باعتقادي أنه من الأفضل تبني نظام الضمان غير المباشر، بحيث يقوم المقترض بتقديم الطلب إلى المصرف أو المؤسسة المالية أولاً، حيث من المفترض أن تمتلك المؤسسات المالية الخبرة في دراسة مثل هذه الملفات وفي تقييم الجدارة الائتمانية للمقترضين، ثم يرسل الطلب إلى مؤسسة الضمان للموافقة عليه. بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام الضمان غير المباشر يبقي باب المنافسة مفتوحاً بين المصارف والمؤسسات المالية كون هذا النظام يتطلب من العميل أو المقترض التوجه إليها أولاً، أي أن العميل هو من يختار المصرف الذي سيقترض منه، وهذا يبقي التنافس بين المصارف قائماً، ويترك للمقترض خيار المفاضلة بين المؤسسات المالية، وبالتالي فإن المصارف ذات الأداء الأفضل سوف تكون جاذبة أكثر للعملاء بالمقارنة مع بقية المصارف والمؤسسات المالية. كما نؤكد على ضرورة أن لا تكون نسبة المشاركة في المخاطر مرتفعة، أي أن لا ترتفع النسبة التي يتوجب على مؤسسة الضمان تغطيتها في حال التعثر أو التخلف عن السداد من قبل المقترضين. علماً بأن نسبة المشاركة في المخاطر عالمياً تتراوح بين 60% وحتى 80% من قيمة القرض. كما أنه من الضروري أن نشير إلى أهمية أن تكون عمولات الضمان مرضية للطرفين، وذلك بحيث لا تكون عالية جداً بما يؤدي إلى زيادة تكلفة القرض بالنسبة للمقترضين، كما يجب أن لا تكون منخفضة إلى الحد الذي لا تستطيع معه مؤسسة الضمان المحافظة على استمراريتها.

لكن هناك سؤال لابد من طرحه: هل قامت الحكومة بتهيئة المناخ الملائم لإحداث هذا النوع من المؤسسات المالية؟

بما أن الفئة المستهدفة من قبل مؤسسة الضمان هي المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم، لذلك وحتى يكتب النجاح لمؤسسة الضمان لابد من توفير بنية تشريعية قوية قادرة على تنظيم عمل تلك المشروعات.

إن هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية هي الجهة الرسمية المسؤولة عن تلك المشروعات، حيث تم إحداثها بموجب القانون رقم 2 لعام 2016 لتحل محل الهيئة العامة للتشغيل وتنمية المشروعات التي كانت تتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهذه الأخيرة حلت بموجب المرسوم التشريعي رقم 39 لعام 2006 محل هيئة مكافحة البطالة التي كانت تتبع لهيئة تخطيط الدولة. وما أريد الوصول إليه يتمثل بضرورة امتلاك الحكومة لرؤية واستراتيجية واضحة فيما يتعلق بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى وجود قانون خاص بتلك المشروعات يكون بمثابة دستور أو مظلة تعمل تحت سقفها كافة الهيئات والجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية بتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم.

كما أنه من المعلوم بأن المقومات اللازمة لتقييم الجدارة الائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم هي من أهم المقومات الواجب توفيرها لكي تنجح مؤسسات ضمان مخاطر القروض. إن تقييم الجدارة الائتمانية تعني تقدير مدى قدرة الجهات المقترضة (المشروعات الصغيرة والمتوسطة) على سداد القروض وأقساطها بمواعيد استحقاقها، وتعتمد عملية التقييم هذه على مصدرين أساسيين من المعلومات. المصدر الأول هو أنظمة الاستعلام الائتماني التي يمكن من خلالها الحصول على المعلومات الائتمانية المتعلقة بالعملاء والمقترضين بما يساعد على تحسين جودة القرار الائتماني. في سورية يدار نظام الاستعلام الائتماني من قبل المصرف المركزي، لكن كان من الأفضل وقبل الشروع بتأسيس مؤسسة الضمان السماح بتأسيس وكالات أو مكاتب خاصة للاستعلام الائتماني توفر المعلومات الائتمانية وتسمح بتبادلها بين المؤسسات المصرفية وغير المصرفية. أما المصدر الثاني فهو البيانات المحاسبية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم والتي يمكن من خلالها معرفة الوضع المالي لتلك المشروعات ومدى قدرتها على توليد الأرباح. لكن معظم المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم في سورية تعمل ضمن اقتصاد الظل ولا تمسك سجلات محاسبية منظمة. فضلاً عن ذلك، وفي حال توافر المعلومات المحاسبية، فإنها وفي معظم الأحيان لا تتمتع بالدقة ولا بالموضوعية وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها في تقييم الجدارة الائتمانية لتلك المشروعات. بناءً عليه، فإنني أرى ضرورة الإسراع في تنظيم الأمور المحاسبية والمالية لقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ويمكن تحقيق ذلك من خلال العديد من الأدوات والوسائل، فمثلاً بالإمكان إجراء مسح شامل لتلك المشروعات وإخضاعها لضريبة الأرباح الحقيقية وما يترتب على ذلك من إلزامها بمعايير محاسبية محلية أو بالمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية الخاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة IFRSs for SMEs.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر