اليد التي صفّقت لوحدها

فاطمة عمراني

العاشرة مساءً..

أصعد درج البناء بخطىً متثاقلة وأنفاسٍ متقطعة، أقرع جرس الباب على عجل فيما لا أزال ألهث، أحاول أن أتمالك نفسي وألّا أظهر ارتجافي.

فتحَتْ الباب ووقفَتْ خلفه، لم تكن أمّي، لم أستطع أن أحدد ملامح وجهها. إلا أنني عرفتها حين قالت: “فوتي يا خالتي”.

جلسَتْ بجانبي ممسكةً يدي، فيما كنت أخبرها عن الشاب الذي تبعني طوال الطريق، ممطراً إياي بجرعة من التحرشات اللفظية تعادل التي تلك سمعتها خلال سنة كاملة، وحين أجبته بكلمة “شو إنك وقح وبلا أخلاق”، انهال عليّ بنوعية مختلفة من التحرشات الجنسية ذات العيار الأثقل، ولم يكفّ عن اللحاق بي حتى منزلي.

لم تستطع المرأة أن تكتم غضبها، فراحت تشتم الشاب بحدّة، وشدت على يدي قائلة: “ما عرفتي تشلحي كندرتك وتضربيه على راسو”، وبدأت تخبرني كيف تعلمَتْ رد إساءة المعتدي والمتحرش “من كيسها”:

“لما كان عمري 15 سنة، كنت صبية حلوة وشايفة حالي كتير، أخدتني عمتي إلى السيلما (أي السينما) مع إخواتي، كان في 3 شباب قاعدين بالكراسي يلي خلفنا، واحد منهم كل شوي يمد إيدو على جنب الكرسي تبعي، ويحاول يتحرّش فيي، طلبت دبوس من إمي، وكلما يمد إيدو إنغزو بالدبوس، لحتى طلع فيي وقلي أنا بورجيكي بس لنطلع، ركدت سبقتو وقلت للشباب يلي برّا إنو في واحد تحرش فيي بالصالة، فنزلوا فيه ضرب كسروه تكسير”.

نفشت أم نضال ريشها ورفعت رأسها، وتابعت: “ولما كان عمري 9 سنين، طلعت مع أمي بالباص، وكان في شب حاول يتحرّش فينا، خبرت أمي وقالتلي سكتي لا تفضحينا، بس أنا ما سكتت، هجمت عليه وضربتو، إمي خجلت فيي كتير، بس أنا كنت مبسوطة وفخورة بحالي”.

لم تسلم المرأة السبعينية من محاولات التحرش التي امتدّت لعمر الستين، فأم نضال (حين عاشت في صيدا فترة من حياتها بعد وفاة زوجها) تعرّضت لمحاولة تحرّش من نوع آخر، حيث أوقفها رجل دين في الشارع طالباً منها “زواجاً سرياً”، فـ “لمّيت عليه الناس بالشارع وصار بس بدو يهرب” قالتها بمزيد من الفخر.

منذ وفاة زوجها اللبناني في الحرب الأهلية، اختبرت أم نضال أنواعاً مختلفة من المضايقات والتحرشات التي تجاوزت شباب الشوارع قليلي التربية، حاولت الانتحار من أعلى قلعة صيدا، بعد أن طالبها أخوها بالعودة لمنزل العائلة فهي أرملة لا يجب أن تعيش لوحدها، وطالبها القضاء بالتخلي عن أطفالها لعائلة زوجها المتوفى، ولطالما طالبها أصحاب الشقق التي كانت تستأجرها بالإخلاء، فهم ليسوا واثقين بقدرة امرأة أرملة على دفع مبالغ الإيجار بشكل منتظم.

نامت وأولادها ليالٍ طويلة، ناموا جوعى، عطشى، ناموا دون أن يمسح أحد على رؤوسهم، ناموا دون أن يجدوا ما يتدثروا به، ناموا دون ابتسامة واحدة، أو حتى دمعة!

“ما حدا كان يطّلع فينا، كان الأقارب يعاملونا كأعداء، ولا مرّة حدا اشترى لولادي سندويشة، اشتغلت كلشي، حتى المهن يلي صعب المرا تشتغلها”. فتاجرت أم نضال بالملابس، بمستحضرات التجميل، الحنّة، وحتى القباقيب. اشترت البضائع من سوق الحميدية والعصرونية والبزوريّة وباعتها لجاراتها اللبنانيات، عملت في الخياطة، التجميل، عملت كناطور، لم تترك مهنة في العالم إلا وعملت بها، ربّت أولادها الخمسة حتى كبروا ورأت أحفادهم كما تمنّت دائماً.

لم تحتج هذه المرأة من يقف بجانبها، لم تطلب مساعدةً من أحد، لم تستعن بيدٍ أخرى حتى تصفّق، صفّقت لوحدها، صفّقت لقدرتها على المضيّ قدماً، صفقت لإيمانها بنفسها، بمسؤوليتها، بإنجازها. حين تخلى كل العالم عنها، لم تتخلَّ أم نضال عن نفسها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر