أنطون مقدسي.. الأستاذ

منذ أربعينات القرن العشرين كانت كلمة “الاستاذ” تعني زكي الارسوزي، أحد مؤسسي الفكر القومي العربي، وأحد الآباء الروحيين لحزب البعث، وقد أطلق القوميون (باختلاف تقسيماتهم الحزبية) لقب الاستاذ عليه، حتى صار يكفي ان تقول اللقب ليفهم من يسمع أنك تقصد زكي الارسوزي.

بدءاً من نهاية السبعينات، انتقل اللقب ليصبح دلالة إلى أنطون مقدسي، المثقف المتين وأحد المفكّرين المهمين في الفلسفة عمومًا.

ومع مطلع الألفية  انتهك اللقب، مع انفتاح الاقتصاد وظهور موجة رجال الأعمال الجدد، وصرت حين تقول: “الاستاذ” فانت تقصد مدير الشركة التي تعمل بها، او مدير الشركات التي يعمل بها كثير ممن تعرف.

لكن اللقب ظل في الأوساط الثقافية مرتبطاً بانطون مقدسي، وقد استحق اللقب بعد أن لمع اسمه في المجال الأدبي والثقافي، وتولّى مديرية التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية، فنجح بجعل إصداراتها من إصدارات الكتب المهمة في الوطن العربي، حيث حدّث نوعية موضوعاتها، كما أدخل إليها تيارات فكرية ونقدية جديدة.

وُلد في (يبرود) من ريف دمشق عام 1914، ونشر مقالات فكرية وسياسية في سن مُبكّرة، والتحق بكلية الحقوق في جامعة دمشق، لكنه ترك دراسته فيها، وسافر إلى فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية؛ ليدرس الفلسفة الإغريقية وعلم الاجتماع، وحصل على إجازة في الفلسفة وشهادة في الأدب الفرنسي من جامعة “مونبيلييه” الفرنسية.

عمِل مُدرّسًا للفلسفة في أكثر من محافظة سوريّة، وأكمل تحصيله القانوني في كلية الحقوق، وأُجيز في العلوم السياسية من مدرسة الحقوق الفرنسية في بيروت، ودرّس الفلسفة اليونانية في جامعة دمشق طوال عشرين عامًا، كما درّس الفلسفة السياسية في المعهد العالي للعلوم السياسية لمدة أربع سنوات، ما جعل منه أحد أبرز العارفين بالفلسفة اليونانية، وواحدًا من أكثر الأساتذة قربًا من الطلبة وحوارًا معهم.

يُعد المقدسي شخصية عربية مطلعة على الشأن الثقافي والفكري والفلسفي، حتى أن بعضهم لقبه بـ “شيخ المثقفين السوريين”، ولعب خلال أكثر من خمس وعشرين سنةً دور “الأستاذ” لجيله وللجيل الذي أدركه في حياته.

انتمى المقدسي إلى جيل الأساتذة في العمل القومي، مثل زكي الأرسوزي وميشيل عفلق، ولم يسر في طريق البعث، وبعد ساهم في تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، قرر ترك العمل السياسي؛ ليتفرغ للعمل الفكري، وشكلت الثقافة لديه الحقل المفضل لديه.

لعب دورًا في الحركة الشعبية المدنية التي عرفتها سورية أواخر الأربعينات، والتي أدّت إلى “تنوير” الفلاحين، من خلال زياراته المتكرّرة لقراهم الفقيرة، وإطلاعهم على أهمية دورهم في الحياة العامة، وتعريفهم بحقوقهم، وحثّهم على المطالبة بها، فلعب دورًا رئيسًا في صوغها وبلورتها والدفاع عنها.

ساهم في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب عام 1969، وبقي عضوًا في مكتبه التنفيذي حتى عام   1996، وشغِل منصب مدير قسم التأليف والترجمة في وزارة الثقافة لمدة خمسة وثلاثين عامًا، حيث أشرف على ترجمة ونشر عددًا من الكتب التي عرفتها المكتبة العالمية منذ منتصف القرن الماضي، فضلًا عن الكلاسيكيات الفلسفية والاقتصادية والاجتماعية والروائية والفكرية والسياسية من كل صنف ولون.

لم يؤمن بالماركسية، ومع ذلك فقد ترجم أفكارها ونظرياتها إلى العربية؛ ليتيح الفرصة لكل المهتميّن بها لدراستها، وحوَّل مديرية التأليف والترجمة، إلى واحدة من دور النشر العربية المهمة، سواء من حيث كم الكتب التي أصدرتها أم من حيث نوعها، واستطاعت في عهده أن تنشر حوالي ثلاثة آلاف كتاب مُؤلّف ومُترجم لكبار الكتّاب والمفكرين من مختلف العصور، أي ما يقرب من نصف الحجم الكمي للكتاب السوري.

حصل عام 2001 على جائزة الأمير كلاوس، وفي عام 2002 نال جائزة وزارة الثقافة السورية، وفي مطلع تموز/ يوليو من العام 2003 منحته وزارة الثقافة الفرنسية جائزة “عامل” في حقل الإبداع الأدبي والفكري؛ لمساهمته في نشر الثقافة في فرنسا والعالم.

توفي عام 2005، وطلب في وصية مسبقة أن تكون جنازته بسيطة، لا يخرج فيها إلا الأهل والأصدقاء، وترك العديد من المقالات والأبحاث التي رفض أن تُنشر في كتب، وأصرّ على إبقائها مقالات في مجلات علمية خوفًا من عدم اكتمالها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر