أرضنا مريضة.. وقد تكون طريقتها في إنقاذ نفسها هي التخلص منّا

شهدت أنحاء كثيرة في أوروبا موجة حرارة وجفاف غير عادية خلال ربيع وصيف 2018، مما أدى إلى اندلاع حرائق البراري في إسكندنافيا. وسُجل العديد من درجات الحرارة القياسية العالية شمالي الدائرة القطبية الشمالية، ودرجات حرارة مرتفعة ممتدة قياسية في هلسنكي (فنلندا). وشهدت أجزاء من ألمانيا فترات يومية تجاوزت فيها درجة الحرارة 30 درجة مئوية، بينما ارتبطت موجة حرارة في فرنسا بعدد من الوفيات. كما كانت تلك الفترة حارة وجافة بشكل غير عادي في المملكة المتحدة وأيرلندا. وألمَّت بإسبانيا والبرتغال موجة حر قصيرة لكن حادة، وشهد نهر الرين تدفقات منخفضة شبه قياسية في منتصف تشرين الأول، مما عطّل النقل النهري بشكل كبير.

وحدث جفاف غير مسبوق في شرقي أستراليا خلال 2018، وعانت أوروغواي وشمالي ووسط الأرجنتين جفافاً حاداً في العامين السابقين، مما أسفر عن خسائر زراعية فادحة.

وعرف كل من اليابان وجمهورية كوريا درجات حرارة قياسية جديدة (41.1 درجة مئوية، و41.0 درجة مئوية على التوالي).

وأبلغت عُمان عن أعلى درجات حرارة دنيا ليلية معروفة قدرها 42.6 درجة مئوية في حزيران. كما شهدت الجزائر درجة حرارة قياسية جديدة قدرها 51.3 درجة مئوية في تموز.

واندلعت في اليونان حرائق براري كبرى أسفرت عن خسائر في الأرواح. وشهدت كولومبيا البريطانية في كندا أرقاماً قياسية جديدة في معظم المناطق المحروقة في موسم الحرائق للعام الثاني على التوالي. وعانت كاليفورنيا حرائق براري مدمرة، وكان حريق Camp Fire في تشرين الثاني أكثر الحرائق إزهاقاً للأرواح منذ أكثر من قرن في الولايات المتحدة..

هذا ليس تعداداً لعلامات الساعة في كتاب قديم، بل هو تقرير للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) يعدد العلامات المقلقة للتغير المناخي.

ويقول التقرير إن تعرّض قطاعات الزراعة للظواهر المناخية المتطرفة يهدد بنقض المكاسب المحققة في إنهاء سوء التغذية، إذ تشير أدلة جديدة إلى ارتفاع معدلات الجوع في العالم بعد فترة ممتدة من الانخفاض. ففي عام 2017، تشير التقديرات إلى زيادة عدد الأشخاص الذين يعانون سوء التغذية ليصل إلى 821 مليوناً، وأفريقيا هي المنطقة التي تؤثر فيها الظواهر المناخية، بأكبر درجة، على الانعدام الحاد للأمن الغذائي وسوء التغذية، مما يؤثر على 59 مليون شخص في 24 بلداً، ويتطلب إجراء إنسانياً عاجلاً.

ومن بين النازحين داخلياً البالغ عددهم 17.7 مليون الذين تتبعت آثارهم المنظمة الدولية للهجرة، فقد كانت الفيضانات هي السبب الأول للنزوح (43 بالمئة)، يعقبها الجفاف (29 بالمئة)، ثم النزاعات (26 بالمئة).

الانقراض ليس مجرد وجهة نظر

إلى بضعة سنوات قليلة مضت، كان التغير المناخي ومخاطره موضوعاً لخلاف الرأي في الأوساط العلمية، ففي العام 2012 وجهت مجموعة من 16 عالماً دعوة لرجال السياسة في الولايات المتحدة الأميركية من أجل إعادة دراسة موقفهم بخصوص التغير المناخي، وذلك في مقال للرأي نشرته جريدة “وول ستريت جورنال”، يؤكد أن ما أشيع بخصوص التهديدات الذي تمثلها هذه الظاهرة “مبالغ فيه”.

واعتبر الموقعون على هذا المقال، ومنهم علماء في الكيمياء والفيزياء والأرصاد الجوية وأساتذة بجامعة كمبريدج والمعهد التكنولوجي بمساتشوستس، أنه لا توجد حاجة لاتخاذ “إجراءات جذرية” لمواجهة الاحتباس الحراري.

ويقول المقال إن “الخبراء الذين يحذرون من آثار مدمرة لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، على دراية بوجود أدلة تفند نظرية التغير المناخي”.

واستشهد العلماء برفض العالم الفائز بجائزة نوبل للفيزياء، إيفار جيافيه، عضوية جمعية فيزيائيي الولايات المتحدة، لعدم اتفاقه مع موقفها بخصوص قضية التغير المناخي التي لا ينكرها ولكنه لا يثق في أن الأسباب التي سيقت حقيقية.

ولكن مثل هذه الأصوات صارت أكثر خفوتاً اليوم، ليس لأن العلماء المناوئين قدموا حججاً علمية مفحمة، بل لأن المناخ نفسه تكفل بهذه المهمة، عبر ظواهر وإشارات ساطعة لا تترك مجالاً واسعاً لخلاف الرأي.

ومنذ بضعة أشهر أصدرت لجنة علماء وخبراء، ترعاها الأمم المتحدة، دراسة أكدت

أن استمرار انبعاثات الكربون بالمعدلات المتصاعدة التي يشهدها العالم حالياً، سيتبعها اختلال في موازين النظم الجيوفيزيائية التي تحكم المحيطات والمناطق المتجمدة على كوكب الأرض، إذ سيشهد منسوب البحار ارتفاعاً بمعدّل 3 أمتار مع حلول نهاية القرن الحالي، الأمر الذي سيؤدي إلى إضعاف التيارات البحرية وذوبان الجليد والثلوج وحدوث أعاصير شديدة العتو.

وحذّرت الدراسة من تراجع دراماتيكي في الثروة السمكية، نتيجة زيادة حموضة مياه المحيطات، كما حذرت من احتمال أن يعمل ارتفاع معدلات الحرارة على تذويب التربة الصقيعية، ما سيؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من غاز ثاني أكسيد الكربون، الذي يعدّ السبب الرئيس لارتفاع درجة حرارة الأرض.

ووفق الدراسة فإن هناك خطراً يتهدد الحياة على الأرض جرّاء التغيّر المناخي الذي سيؤدي إلى تراجع الثروة الزراعية والحيوانية في العالم.

وفي إشارة لافتة إلى أن التغير المناخي صار قضية محسومة، أعلن صندوق النقد الدولي أنه صار “يدرس تأثيرات المناخ على أسواق المال العالمية، وما إذا كان محسوباً في تقييمات السوق”. وقال مدير إدارة أسواق النقد والمال لدى الصندوق، توبياس أدريان، “نعمل على تقييم مخاطر المناخ ومدى تأثيره في الأسعار بأسواق الأسهم والسندات.. يزداد وعي الناس بهذه المسألة، ثمة حاجة ملحة ما بخصوص المناخ وهذا جديد. من المأمول أن يركز الناس على ذلك”.

لكن ما هو التغير المناخي؟

يُعرف المناخ على أنه متوسط حالة الطقس. وعلى الرغم من أن الطقس والمناخ يشيران إلى ظروف الغلاف الجوي، إلا إن الإطار الزمني لكل منهما يختلف عن الآخر. فالطقس يصف الظروف الجوية في مكان محدد على المدى القصير (أي إن كان يوم الاثنين المقبل سيكون بارداً وممطراً في دمشق أو دافئاً في القاهرة).

أما المناخ فهو يتعلق بالظروف الجوية على مدى أطول (عقود أو قرون)، وتشير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC إلى أن الخلط بين الطقس والمناخ أمر شائع، فعادة ما يُسأل العلماء كيف يمكنهم التنبؤ بالمناخ على مدار 50 عاماً في المستقبل، في الوقت الذين لا يمكنهم التنبؤ بحالة الطقس بعد أسابيع قليلة من الآن؟.

والجواب هو أن التنبؤ بالطقس بعد أيام قليلة أمر صعب، لأن تطور العوامل في الغلاف الجوي، مثل هطول الأمطار وغير ذلك، قد يصعب التنبؤ به. وتفسير اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ هو أنه رغم استحالة التنبؤ بالعمر الذي سيتوفى فيه شخص بعينه، لكن يمكن تحديد متوسط العمر الذي يتوفى فيه الأشخاص الذين يعيشون في الدول الصناعية بـ 75 عاماً.

وما الفرق بين التغير المناخي والاحتباس الحراري؟

عادة ما يستخدم الناس المصطلحين بالتبادل، على افتراض أنهما يدلان على الأمر نفسه. لكن هناك فرق بين الاثنين: إذ يشير الاحتباس الحراري إلى ارتفاع متوسط درجة الحرارة قرب سطح الأرض، أما التغير المناخي فيشير إلى التغيرات التي تحدث في طبقات الغلاف الجوي مثل درجة الحرارة وهطول الأمطار وغيرها من التغيرات التي يتم قياسها على مدار عقود أو فترات أطول.

ويفضل استخدام مصطلح التغير المناخي عند الإشارة إلى تأثير عوامل أخرى غير ارتفاع درجة الحرارة، مثل العوامل الطبيعية (التغيرات في كثافة الشمس أو تغيرات بطيئة في دوران الأرض حول الشمس)، والعمليات الطبيعية داخل النظام المناخي (مثل التغيرات في دورة المياه في المحيط)، والأنشطة الإنسانية التي تؤدي إلى تغيير تركيبة الغلاف الجوي (حرق الوقود الأحفوري وإزالة الغابات..).

أما ظاهرة الدفيئة فقد اشتقت اسمها من البيوت الزجاجية التقليدية (الدفيئات الزجاجية) التي تعمل فيها الجدران الزجاجية على تقليل التدفق الهوائي وزيادة درجة حرارة الهواء الذي ينحبس داخلها.

ويعتمد مناخ الأرض بشكل رئيسي على الشمس حيث يتناثر نحو 30 بالمائة من ضوء الشمس مرة أخرى في الفضاء ويمتص الغلاف الجوي بعضاً منه بينما يمتص سطح الأرض الباقي. كما يعكس سطح الأرض جزءاً من ضوء الشمس في صورة طاقة متحركة يطلق عليها اسم الإشعاعات تحت الحمراء.

وما يحدث هو تأخر خروج الإشعاعات تحت الحمراء بسبب “الغازات الدفيئة”، مثل بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والأوزون والميثان، والتي تجعل الإشعاعات تحت الحمراء ترتد مرة أخرى، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة طبقات الغلاف الجوي السفلى وسطح الأرض.

وتساهم الأنشطة البشرية في جعل هذا الغطاء أكثر سمكاً، بسبب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن احتراق الفحم والنفط والغاز الطبيعي..

ولكن إذا كان التغير المناخي ليس بجديد فلماذا نلقي باللائمة على الجنس البشري؟

لقد مر مناخ الأرض بتغيرات كثيرة، وكانت عوامل طبيعية تقف وراء هذه التغيرات، لكن منذ بدء الحقبة الصناعية، قرابة عام 1750، برز العامل البشري بقوة، فقد ارتفع متوسط درجة حرارة سطح الأرض بمقدار 0.7 درجة سيلسيوس منذ أواخر القرن التاسع عشر.

وعلى صعيد المتوسط العالمي، حدث ارتفاع درجة الحرارة في القرن العشرين على مرحلتين: من 1910 إلى 1940 (0.35 درجة سيلسيوس)، وازدادت بقوة من فترة السبعينيات إلى الوقت الحاضر (0.55 درجة سيلسيوس).

وقد تم تحديد سبب ارتفاع درجة الحرارة  بارتفاع ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. كما تم تحديد تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي على مدار الـ 650 ألف عام الماضية بدقة من خلال العينات الجوفية الجليدية في المحيط القطبي الجنوبي. وخلال هذه الفترة، تفاوتت نسبة تركيز ثاني أكسيد الكربون بين مستوى منخفض عند 180 جزء في المليون خلال العصور الجليدية الباردة، ومستوى مرتفع عند 300 جزء في المليون خلال العصور الدافئة البينية.

ومن الملاحظ أنه على مدار القرن الماضي، ازدادت نسبة ثاني أكسيد الكربون بسرعة متجاوزة هذا المعدل حتى وصلت إلى 379 جزء في المليون. وبحسب اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ فإن زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي قد نجمت عن الأنشطة البشرية لأن خواص نسبة ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، خاصة نسبة ثقل ذرات الكربون إلى الذرات الخفيفة، قد تغيرت بطريقة يمكن أن تُعزى إلى إضافة الكربون الناتج من الوقود الأحفوري.

ويقدر العلماء أن احتراق الوقود الأحفوري، مع إسهام أقل من عمليات تصنيع الإسمنت، هو المسؤول عن أكثر من 75 بالمائة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تنتج عن الأنشطة البشرية.

طوق النجاة لكوكب الأرض

يعلق الكثير من العلماء والساسة وكبار رجال الأعمال آمالهم على التطور التكنولوجي، إذ يرون أنه يمكن تسخير التكنولوجيا الحديثة للنهوض بمشروعات الطاقة المتجددة والاستغناء عن الوقود الأحفوري، وإزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، والتحكم بالمناخ عن طريق تطبيقات “هندسة المناخ”.

ولكن التكنولوجيا البديلة لا تزال قاصرة، فالطاقة الشمسية لا تغطي إلا 0.7 في المئة من الطلب العالمي على الطاقة، بينما تغطي طاقة الرياح 1.9 في المئة فقط، مقابل 90 في المئة يغطيها الوقود الأحفوري.

ولا تخلو محطات الطاقة المتجددة أيضا من انبعاثات الكربون، إذ لا تزال توربينات الرياح ومحطات الطاقة النووية تعتمد على الطاقة المستمدة من الوقود الأحفوري لتشغيلها وصيانتها.

وللمسألة ارتباط بالاقتصاد أيضاً، إذ يرى البعض أن النظام الرأسمالي الذي يسود العالم لا يساهم في إيجاد حلول موثوقة، ذلك أن “نمط الإنتاج الرأسمالي قد جعل كل شيء يُشترى بالمال، ودفع الناس إلى البحث باستمرار عن أفضل الصفقات”، مثل استخدام العمال الذين يتقاضون أقل الأجور والحصول على أرخص الموارد من الدول الأقل تطورا.. دون النظر إلى التكلفة البيئة أو البشرية الهائلة. وبالتالي فإن “التكنولوجيا وحدها لن تنقذ البشرية، بل إن إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي قد تكون طوق النجاة لكوكب الأرض”.

تمرد ضد الفناء

خرجت قضية التغير المناخي من دوائر العلماء والأكاديميين الضيقة، حيث شهدت السنوات القليلة الماضية اتساعاً في حجم المنخرطين في هذا النقاش الدائر، وصارت الاحتجاجات والمظاهرات الجماهيرية المطالبة بحلول عاجلة، طقساً دائماً يرافق اجتماعات المنظمات الأممية المعنية بالقضية.

ومؤخراً، خرجت مظاهرات شبابية عارمة ضمت نحو 6 ملايين شخص، خرجوا من مدارسهم وأماكن عملهم، بقيادة الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ، مرددين: “كفى، انتهى وقت التقاعس عن العمل”، وطالبوا بإجراءات حاسمة لحماية البيئة والحد من التغير المناخي.

ومن أشهر المظاهرات تلك التي قادها النجم ليوناردو دي كابريو، الحائز على جائزة الأوسكار، أمام البيت الأبيض في 2017، للتحذير من مخاطر تغير المناخ والاحتباس الحراري، ولمطالبة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بإجراءات حاسمة لحماية الأرض.

كما تأسست منظمات وجمعيات مدنية تعنى بالمسألة، بينها جمعية “تمرد ضد الفناء”، التي تأسست في بريطانيا وصار لها فروع في دول كثيرة حول العالم. وقام أعضاء الجمعية في المانيا بتقييد أنفسهم أمام المستشارية الألمانية، مطالبين الحكومة بإعلان حالة الطوارئ إزاء مخاطر التغير المناخي.

بالمقابل لا تزال دوائر سياسية ومالية تمانع في وضع قضية المناخ على أجندة القضايا الملحة، وثمة من لا يزال يؤكد أن ما يحدث لا يعدو كونه تغيراً طبيعياً لطالما شهدته الأرض منذ آلاف السنين، معولين على حكمة شاملة وكلية سرعان ما ستعيد الأمور إلى نصابها.. وهو موقف يميز بعض أوساط اليمين في الغرب، إضافة إلى قادة ومتنفذين في البلدان النامية يعتقدون أن الإلحاح على مخاطر التغير المناخي يهدف أساساً إلى تعطيل نمو بلدانهم.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر