البنك والصندوق الدوليان: أطيعونا لنزيد ثراءكم ونعينكم على فقرائكم

في كتابه «السامريون الأشرار» يقول الباحث الاقتصادي الكوري الجنوبي، ها جون تشانغ، إن خبراء صندوق النقد الدولي (والبنك الدولي) يقدمون أنفسهم على أنهم «السامريون الصالحون» الذين يعتبرون مساعدة العالم النامي هي دافعهم الوحيد، ولكنهم في الواقع «سامريون أشرار» ذلك أن «الغاية الحقيقية للصندوق هي تهيئة بيئة سياسية في الدول النامية تكون صديقة للشركات العابرة للقومية وللمجموعات الصغيرة من النخب في هذه البلدان، وتؤدي تلك السياسة إلى تدهور التنمية الاجتماعية لغالبية السكان».

ويتحدث تشانغ عن تغني خبراء الصندوق والبنك الدولي بـ «المعجزة الآسيوية التي حققتها نصائحهم»، وهو يؤكد أن الطريق الذي اتبعته كوريا الجنوبية، مثلاً، هو عكس طريق الخبراء تماماً، إذ استخدمت مزيجاً من الحمائية والانفتاح المحسوب، وكان للدولة فيها النصيب الأكبر من المشاريع والصناعات، إضافة إلى القيادة والتوجيه.. الشيء الذي يلقي بظلال كثيفة على مصداقية منظري المنظمات الدولية، وخاصة صندوق النقد.

ويكشف الصحفي الأسترالي جون ريتشارد بيلجر، في كتابه «الحكام الجدد في العالم»، أساليب صندوق النقد الدولي في التعامل مع الدول النامية، مؤكداً أن الصندوق هو وكيل أغنى البلدان على وجه الأرض، وخاصة أمريكا، وتتمثل مهمته في تقديم القروض للدول الفقيرة، ولكن في حالة واحدة: إذا قامت بخصخصة اقتصادها والسماح للشركات الغربية بحرية الوصول لأسواقها ومواردها الخام.

كما يأخذ كثيرون على خبراء الصندوق أنهم وضعوا دول العالم الثالث كلها في سلة واحدة، ويلاحظ الاقتصادي المصري جلال أمين أن أعراض التخلف في هذه الدول شُخصت بعلة واحدة وهي انخفاض متوسط الدخل، وبالتالي كان العلاج واحداً للجميع، بصرف النظر عن الفوارق الشاسعة في «الخصائص الثقافية والتجارب التاريخية ونوع الآمال والطموحات، بل حتى في الظروف والموارد الاقتصادية».

صندوق النقد في الأوراق الرسمية

تم إنشاء صندوق النقد الدولي مع نهاية الحرب العالمية الثانية حين اجتمع أعضاء وفود 44 بلداً في بريتون وودز بولاية نيوهامبشير الأمريكية في تموز 1944 لإنشاء مؤسستين تحكمان العلاقات الاقتصادية الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان الهدف هو وضع نظام مالي عالمي جديد يسهم في تجنب تكرار ما حدث عقب نهاية الحرب العالمية الأولى.

وتم الاتفاق على تأسيس البنك الدولي للإنشاء والتعمير بغرض العمل على استعادة النشاط الاقتصادي، وتأسيس صندوق النقد الدولي بهدف المساعدة في استعادة قابلية تحويل العملات والنشاط التجاري متعدد الأطراف.

صندوق النقد الدولي مؤسسة تابعة للأمم المتحدة، وتشارك في عضويتها جميع دول العالم، والمصدر الرئيسي لموارد الصندوق هو اشتراكات الحصص (أو رأس المال) التي تسددها البلدان عند الانضمام إلى عضوية الصندوق أو في أعقاب المراجعات الدورية التي تزاد فيها الحصص، وتدفع الدول 25% من اشتراكات حصصها بحقوق السحب الخاصة (الذهب الورقي) و75% بالعملة الوطنية، لأغراض الإقراض حسب الحاجة.

وتحدد الحصص ليس فقط مدفوعات الاشتراك المطلوبة من البلد العضو، وإنما أيضاً عدد أصواته وحجم التمويل المتاح له من الصندوق ونصيبه من مخصصات حقوق السحب الخاصة. والهدف من الحصص عموماً هو أن تكون بمثابة مرآة لحجم البلد العضو النسبي في الاقتصاد العالمي، فكلما ازداد حجم اقتصاد العضو من حيث الناتج وازداد اتساع تجارته وتنوعها، ازدادت بالمثل حصته في الصندوق.

وبحسب الموقع الرسمي للصندوق، فإن الهدف من قروضه هو إعطاء البلدان الأعضاء فرصة لالتقاط الأنفاس حتى تنتهي من تنفيذ سياسات تصحيحية منظمة تستعيد بها الظروف الملائمة لاقتصاد مستقر ونمو مستدام. وتختلف هذه السياسات باختلاف الظروف في كل بلد.

فالبلد الذي يواجه هبوطاً مفاجئاً في أسعار صادراته الأساسية قد يحتاج إلى مساعدة مالية حتى ينتهي من تنفيذ إجراءات لتقوية اقتصاده وتوسيع قاعدة صادراته. والبلد الذي يعاني من خروج التدفقات الرأسمالية بشكل حاد قد يحتاج إلى معالجة المشكلات التي أدت إلى فقدان ثقة المستثمرين، فربما تكون أسعار الفائدة شديدة الانخفاض أو عجز الموازنة ورصيد الدين يتناميان بسرعة كبيرة أو النظام المصرفي غير كفء أو ضعيف التنظيم.

كيف يدار الاقتصاد العالمي..

الهيكل التنظيمي للصندوق يشمل مجلس المحافظين، ويضم ممثلين لكل البلدان الأعضاء، وهو صاحب السلطة العليا في إدارة الصندوق ويجتمع في العادة مرة واحدة سنوياً خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويقوم كل بلد عضو بتعيين محافظ (عادة ما يكون هو وزير المالية أو محافظ البنك المركزي في ذلك البلد) ومحافظ مناوب.

ورغم أن مجلس المحافظين يبت في قضايا السياسات الكبرى، فإنه فوض المجلس التنفيذي في اتخاذ القرارات المتعلقة بأعمال الصندوق اليومية. ويجري النظر في قضايا السياسات الأساسية المتعلقة بالنظام النقدي الدولي مرتين سنوياً في إطار لجنة من المحافظين يطلق عليها اسم اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، (وهي التي كانت تعرف باسم اللجنة المؤقتة حتى أيلول 1999). أما لجنة التنمية، وهي لجنة مشتركة بين مجلس محافظي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهي تقدم المشورة إلى المحافظين وترفع إليهم تقاريرها حول سياسات التنمية والمسائل الأخرى التي تهم البلدان النامية.

ويتألف المجلس التنفيذي من 24 مديراً، ويرأسه المدير العام للصندوق، ويجتمع المجلس التنفيذي عادة ثلاث مرات في الأسبوع في جلسات يستغرق كل منها يوماً كاملاً، ويمكن عقد اجتماعات إضافية إذا لزم الأمر، وذلك في مقر الصندوق في واشنطن العاصمة. وتخصص مقاعد مستقلة في المجلس التنفيذي للبلدان المساهمة الخمسة الكبرى وهي: الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة إلى جانب الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية. أما المديرون الستة عشر الآخرون فتتولى انتخابهم مجموعات من البلدان تعرف باسم الدوائر الانتخابية لفترات مدتها عامين.

والولايات المتحدة الأمريكية، أكبر اقتصاد في العالم، تسهم بالنصيب الأكبر في صندوق النقد الدولي حيث تبلغ حصتها 17.6% من إجمالي الحصص، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك حق تعطيل قرارات صندوق النقد الدولي أو حق الفيتو.

الوجه الآخر: كوارث اقتصادية واجتماعية

بمناسبة اجتماعه السنوي الذي عقد في واشنطن، تعرض صندوق النقد الدولي، مجدداً، لاتهامات خطيرة تتعلق بمخالفة سياسات الإقراض الخاصة به والتسبب في كوارث اجتماعية واقتصادية في البلدان النامية والفقيرة التي تلجأ إليه.

وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية (7 تشرين الأول)، فإن الصندوق متهم بانتهاك قواعد الإقراض واتباع سياسات غير منضبطة تتسبب في زيادة الأعباء الاقتصادية وتبعاتها الاجتماعية في 18 دولة أبرزها الأرجنتين.

مجموعة من المنظمات غير الحكومية في المملكة المتحدة، والتي تطالب صندوق النقد الدولي بإسقاط ديون الدول الفقيرة، شنت هجوماً عنيفاً على سياسات الصندوق بعد أن بلغت قيمة القروض التي قدمها لـ 18 دولة 93 مليار دولار، أكثر من نصفها للأرجنتين، دون وجود ضمانات لقدرة تلك الدول على تحمل أعباء تلك الديون.

وقال تحالف منظمات حملة إسقاط الديون: «الصندوق لا يهتم بالمخاطر الأخلاقية والاجتماعية التي تتسبب فيها تلك القروض طالما أن مانحيها يضمنون أموالهم بغض النظر عن آثارها في البلدان المقترضة»، وقد ازدادت الانتقادات الموجهة للصندوق العام الماضي بعد قراره بإقراض الأرجنتين 56 مليار دولار، رغم أن الدولة قد تعرضت للإفلاس قبل 17 عاماً، وربما تكون الآن على شفا الإفلاس مرة أخرى.

الصندوق رد على الانتقادات بأن الأرجنتين دولة لها وضع خاص، لكن التحالف قال إن الأرجنتين هي النموذج الصارخ لكنها ليست الوحيد، فهناك 17 دولة أخرى يقرضها الصندوق بصورة «متهورة» لا تراعي مصلحة الدول نفسها، وهي: أفغانستان وأنغولا والكاميرون وجمهورية وسط إفريقيا والإكوادور ومصر وغانا والأردن وموريتانيا ومنغوليا وباكستان وساو تومي وسيراليون وسريلانكا وتونس وأوكرانيا، وأضاف التحالف أن الهيئات المانحة للقروض قد صنفت مصر وباكستان والإكوادور «دول ذات مخاطر عالية».

وقالت سارة جين كليفتون، مديرة حملة إسقاط الديون: «سياسات صندوق النقد الدولي تحظر إعطاء قروض لدول تعاني من موقف اقتراضي غير قابل للاستدامة، لكننا نرى الصندوق يفرط في انتهاك تلك السياسة ويقدم قروضاً لمقترضين متهورين، ما يتسبب في مخاطر أخلاقية في نظام الإقراض السيادي».

وأضافت: «إن الاستمرار في تقديم قروض لدول تعاني من جراء أعباء الديون دون تقديم حلول إعادة جدولة لتلك الديون لتخفيف أعبائها يضع مزيداً من الأعباء على كاهل مواطني تلك الدول مع وضع ضمانات صارمة لتسديد القروض ما يزيد من وطأة الموقف الاقتصادي في تلك الدول وتستمر دورة القروض المرهقة».

خبراء ضد الخبراء

عالم الاقتصاد الكندي ميشيل تشوسودوفيسكي يقول إن «برنامج صندوق النقد الدولي قد يترك البلد في بعض الأحيان فقيراً كما كانَ من قبل، لكن مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراء».

الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي وأحد أهم مساعدي الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، توصل في أحد أبحاثه إلى أن «القروض التي يقدمها الصندوق إلى الدول تكون ضارة في حالات كثيرة خاصة التي توجه إلى الدول النامية ودول العالم الثالث».

لكن أبرز الانتقادات الموجهة للصندوق تتركز على سطوة الولايات المتحدة الأمريكية وتحكمها وقدرتها على إعطاء القرض من عدمه لأي دولة، حيث إنها الدولة الوحيدة التي تمتلك حق الفيتو من بين الدول الأعضاء.

كما أن صندوق النقد الدولي يتعرض للانتقاد لأنه يتبنى سياسات رأسمالية بحتة تشجع قواعد السوق الحر ويرفض أية قيود من الدول المقترضة على النقد الأجنبي، وضد الرقابة على الصرف، وضد أي تدخل من الحكومات في السياسات النقدية، ويشجع أيضاً بشكل مباشر القطاع الخاص واقتصاد السوق الحر، ويقدم نفس التوصيات والنصائح لكل الدول، ما لا يعطي أية مساحات للدول التي قد يكون وضعها الاقتصادي والاجتماعي مختلفاً إلى حد كبير مع نظيرتها من الدول المقترضة الأخرى.

ورغم أنّ صندوق النقد الدولي التابع للأمم المتحدة، دوره دعم الاقتصاد العالمي، والمعاملات التجارية بين البلاد المختلفة، فإنّه عادة ما يتم اتهامه بكونه أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتهزم الدول، «ونهب وتدمير اقتصاد الدول النامية»، وفقاً لـ جون بيركنز، مؤلف كتاب «اعترافات قاتل اقتصادي».

درس مهاتير

سئل الدكتور مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، عن أبرز أسباب النهضة الاقتصادية التي شهدتها البلاد تحت قيادته، فقال: «خالفت توصيات صندوق النقد الدولي، وفعلت عكس ما طلبه من إجراءات». وقد صارت هذه العبارة واحدة من أشهر المقبوسات حول العالم، بل أنها غدت شعاراً لكثير من اقتصاديي العالم الثالث.

ومنذ بضع سنوات، خلال مؤتمر “تجارب النهضة في العالم.. ماليزيا نموذجاً”، حذر مهاتير محمد من توجيهات صندوق النقد الدولي، قائلا: “إن سياسات صندوق النقد متخبطة، ونصائحه لم تكن حقيقية”. وقال إن بلاده رفضت نصائح الصندوق أثناء الأزمة المالية التي تعرضت لها آسيا في نهاية التسعينات، وقررت التعامل مع أزمة انخفاض سعر العملة بطريقتها الخاصة وقامت بتعويم العملة.

 وتحدث محمد عن معاناة بلاده مع سياسة صندوق النقد في تقييمه لأداء ماليزيا “فتارة يقولون إدارة جيدة وتارة أخرى يرون إنها إدارة غير جيدة”. وأكد أن الاستقرار السياسي هو الطريق الصحيح لتحقيق النهضة الصناعية، كما أن التطور الاقتصادي لا يأتي إلا بتعاون القطاع العام مع الخاص، والاعتماد على إجراءاته السريعة، مشيراً إلى أن بلاده اعتمدت على الصناعة في نهضتها، وأن التحول الاقتصادي في ماليزيا صاحبه اهتمام بالبنية التحتية، وتوفير رأس المال وتطوير المهارات وتشجيع رجال الأعمال على الاستثمار، خاصة المبدعين منهم. وأضاف أن ماليزيا حرصت على توفر فرص العمل والتركيز على الصناعات المختلفة، وعلى رأسها صناعة زيت النخيل، حيث حققت ماليزيا ريادة عالمية في العديد من الصناعات. وقال مهاتير محمد إن البلاد كانت تعاني من البطالة، وبدأت البلاد بالزراعة والصناعة واتجهت فيما بعد إلى صناعة الإلكترونيات، ثم اتجهت إلى الصناعات ذات التكنولوجية العالية مما أدى إلى تعديل في مناهج التعليم بهدف إكساب الطلاب مهارات أعلى وهو ما أدى إلى جلب المزيد من الاستثمارات.

أحجيات

يزقزق الأطفال والصيصان فيما حول دونيا ماريا دي لوس مرثيدس، التي تقاقي بينما هي تمشي وتلقي حبوب الذرة لدجاجاتها الكثيرات. كانوا على تلك الحال في ذلك اليوم، مثلما هي الحال كل يوم، عندما ظهرت سيارة لامعة وسط سحابة غبار، على الطريق القادم من سانتو دومنغو.

ودون أن يحيي، ودون أن يقدم نفسه، سأل السيد ذو البدلة وربطة العنق والحقيبة دونيا ماريا دي لوس مرثيدس:

ــ إذا ما أخبرتك كم هو عدد دجاجاتك بالضبط، هل تعطيني واحدة منها؟

لم تقل هي أي شيء.

شغل السيد كمبيوتره البنتيوم، سرعة 600 ميغاهيرتز، وشغل نظام الـ GSP، نظام ياهو للصور الفضائية، وفي الحال أعلمه الكمبيوتر: ــ أنت تملكين مئة ودجاجتين. ثم اختطف واحدة منها وأمسك بها بين ذراعيه.

فسالته دونيا ماريا دي لوس ميرثيدس:

ــ إذا ما أخبرتك في أي مجال تعمل حضرتك، هل تعيد إلي الدجاجة؟

ابتسم السيد:

ــ بالطبع.

ولكن الابتسامة تلاشت عن شفته عندما حزرت هي، دون أدنى تردد، أنه خبير من صندوق النقد أو البنك الدولي.

ــ كـ…. كيف عرفت ذلك؟ ــ تلعثم وهو يضع الدجاجة على الأرض.

فأوضحت له أن الأمر سهل جداً. فقد جاء دون أن يستدعيه أحد، واندس في قن دجاجاتها دون أذن، وأخبرها بشيء هي تعرفه من قبل، وتقاضى أجراً مقابل ذلك.

نص لـ إدواردو غاليانو من كتاب “أفواه الزمن”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر