النساء يلدن بشق بطونهن كما كنّا نعتقد في الطفولة
“بيزنس” تجنب الألم يزيد العمليات القيصرية 60 % دون أسباب طبية

محمد الواوي

لم يكن الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الذي أجرى أول ولادة قيصرية في التاريخ لأسباب طبية قهرية يحلم يوماً بأن تصبح طريقة ولادته ثقافة اجتماعية في العالم عموماً ومنطقة الشرق الأوسط خصوصاً. وبعيداً عن أي أسباب طبية تحتم إجراء العمل الجراحي وإخراج الجنين، ازدهرت الولادات القيصرية في سوريا متفوقة على الولادات الطبيعية بما يشبه “موضة” اجتماعية سائدة، كالملابس تماماً، وبكل ما تعنيه كلمة “موضة” من معنى.

تقول عليا التي أجرت عملية قيصرية وأنجبت طفلتها الأولى منذ سنة “بالنسبة لي القيصرية أفضل من الولادة الطبيعية حيث ترى الموت أمام عينيك”. وعلى ما يبدو فإن القطاع الصحي الخاص ضاعف النسب إلى أرقام قياسية تماشياً مع “بزنس” المال مقابل تجنب الألم وتنفيذ رغبة المريضة رغم مخاطر وسلبيات هذه العمليات على المرأة وطفلها معاً، وفعلياً تصاعدت نسبة الولادات القيصرية خلال الأزمة إلى حوالي 60% من مجموع الولادات.

أسباب انتشار القيصرية

تعاني كثير من دول العالم من ارتفاع نسبة العمليات القيصرية، وهي مشكلة تنبهت لها منظمة الصحة العالمية ودعت الدول إلى انتهاج تدخلات لتخفيض نسب القيصريات. لكنها لامست في سوريا مستويات جنونية خلال الأزمة مقارنة مع نسب سابقة لها، وترى الدكتورة ريم دهمان (رئيسة دائرة الصحة الإنجابية في وزارة الصحة) أن للقيصرية أستطبابات كثيرة، فقد تكون لسبب دائم لدى السيدة كضيق الحوض وعدم تناسبه مع الجنين، وجود تشوهات في الحوض أو أعمال جراحية سابقة تجعل من الصعب إتمام الولادة الطبيعية. وقد تكون القيصرية لسبب عارض كتألم الجنين أثناء المخاض،أو انفكاك المشيمة الباكر، عدم تقدم المخاض واتساع عنق الرحم، إضافة إلى توضع الجنين المعترض… وأسباب أخرى لها علاقة بحالة الأم الصحية التي تجعل إجراء القيصرية ضرورياً.

ساهمت الأزمة في ازدهار العمليات القيصرية وعملت مفرزات الحرب على تنامي هذه الظاهرة بشكل واسع كما يرى د. أكرم الأحمر (أخصائي أمراض نسائية وتوليد ومداواة عقم واستشارات جنسية)، فللعامل الأمني دور في ارتفاع نسبة القيصرية وهو يشمل الحامل والطبيب كالخروج في الليل وغير ذلك، وهناك عامل ثان هو رغبة الحامل بعدم تعرضها للألم، كما أن متانة الأجسام وقدرتها على تحمل الألم اختلفت عبر الأجيال وكذلك العقلية والثقافة، أيضاً تأخر سن الزواج خلال الحرب وبالتالي تدخل السيدة في مرحلة (الحمل العزيز) ويفضل الأطباء في هذه الحالة القيصرية على الولادة الطبيعية منعاً لتعرض الطفل لأي مخاطر. كما أثر زواج القاصرات على تضاعف الأرقام فهن لا يعرفن فوائد الولادة الطبيعية من الناحية الفكرية بعد، ويكمل د. الأحمر “نفضل كأطباء أن نوضح للمريضة سلبيات وإيجابيات الولادتين لكن يدخل في قرار الطبيب قناعة المرأة، والمشافي الحكومية لا تملك فكرة إجراء القيصرية بناء على رغبة المريض على عكس المشافي الخاصة”.

يفسر د. محمد مستت (أخصائي توليد وجراحية نسائية ـ حلب) انتشار العمليات القيصرية بأسباب من طرف المريضة وأخرى من طرف الأطباء، فمن طرف المريضة غالباً هو تحاشي الألم، والاستسهال وكذلك رغبة بعض الأزواج بالمحافظة على جمالية الأعضاء التناسلية للمرأة. أما أسباب لجوء الأطباء إلى القيصرية، فهي سهولة إجرائها وسرعتها وهي عمليات توصف بالباردة، أي ليست خاضعة للإسعاف الليلي، من ناحية أخرى فإن استطبابات القيصرية كثيرة منها ما يتعلق بالجنين في حال نقص (ماء الرأس) أو ضعف نمو الجنين، وأخرى متعلقة بالأم كأن تنهي شهور الحمل ولم يأتها المخاض أو تواجد المشيمة أمام الطفل، وكذلك إذا كان لديها ضغط مرتفع ولا يمكن أن تتحمل الطلق، أو تعاني من مرض السكري. إضافة إلى أن هجرة الخبرات الفنية والعقول خلال الأزمة ترك الساحة مفتوحة أمام الأطباء المتخرجين حديثاً ممن لديهم خبرة قليلة. كما أثر زواج القاصرات على زيادة العمليات القيصرية لعدم اكتمال نمو حوض الفتاة وطولها أيضاً إضافة إلى ضعف تحملها. ولا يخفي د. مستت بأن يكون العامل المادي وارداً لدى الأطباء في تفضيل إجراء العمليات القيصرية.

سلبيات القيصرية

على الرغم من قدرة العمليات القيصرية على إزاحة الألم عن الأم مقارنة مع الولادة الطبيعية، فضلاً عن إنقاذها للأرواح في الحالات المستعصية، إلا أن ذلك لن يعمي الأبصار عن وجود نقاط سلبية. وهنا يبين د. مستت أن الطفل الذي ولد بعد تعرضه للمخاض يحسن من فرص فتح رئتيه، في حين أن الطفل معرض عبر القيصرية للإصابة بداء الأغشية وداء العسر التنفسية بنسبة أكبر.

وتوضح د. دهمان أن اجراء القيصرية بيد خبيرة هو أمر حاسم للحفاظ على حياة الأم والجنين عند وجود استطباب، إلا أن القيصريات لم تساهم في انقاص حالات المراضة والوفاة عند ارتفاع نسبتها عن المعدل الطبيعي الذي يتراوح بين 10 ـ 15% من الولادات. وإن حالات المراضة الوالدية المتعلقة بالقيصريات هي أعلى منها بالنسبة للولادة الطبيعية بسبب زيادة الانتانات والنزف والصمات والخثرات المتعلقة بالعمل الجراحي. كما تزداد بشكل لاحق حالات المشيمة المندخلة التي تشكل خطورة على حياة الأم، والتي ازدادت مؤخراً حسب ملاحظات الأطباء في المشافي وأقسام التوليد.

ورغم وجود دراسات حديثة تحذر من مخاطر القيصرية على الأطفال مستقبلاً كضعف المناعة، إلا أن د. الأحمر يؤكد أنها ليست دقيقة فحتى قياسات عمل جهاز المناعة غير مضبوطة ويدخل فيها العامل النفسي والتغذية والبيئة والسلالة. بطريقة ما تساهم القيصرية في تحديد النسل بشكل إجباري، وتتوجه الدول الأوروبية إلى الولادة الطبيعية ما لم يخلق استطباب طبي يحول دون ذلك، وجزء من الأسباب يدخل في السياسة التأمينية الأوروبية من ناحية تكلفة العملية القيصرية مقارنة بالولادة الطبيعية إضافة إلى اختلاف ثقافة الحوامل والأطباء عن منطقتنا. فالعامل المادي بشكل من الأشكال سوف يؤثر على قرار الطبيب بدرجة ما.

أرقام وإحصائيات

وتختلف نسب الولادات القيصرية من محافظة إلى أخرى وما بين مشفى خاص وآخر حكومي، ويقدر د. محمد مستت نسبة القيصرية مقارنة بالولادات الطبيعية أكثر من 50% في حلب خلال الأزمة بحسب ملاحظته الشخصية. وهي نسبة مفرطة كثيراً إذ أن النسبة العالمية لا تتجاوز 10%. في حين لا يمكن أن تصل العمليات القيصرية إلى نسبة 25% قبل الأزمة في أحسن الحالات، حسب رأيه.

وبحسب إحصائيات قدمتها وزارة الصحة لمعد التحقيق، فإن عدد العمليات القيصرية في المشافي العامة ومشافي الهيئات المستقلة والمشافي الخاصة التابعة لوزارة الصحة بلغ نحو 78117 مقابل 188097 ولادة طبيعية من أصل مجموع كلي 266214 ولادة بنسبة 29.344% للعمليات القيصرية و70.656% للولادة الطبيعية عام 2010، قبل الأزمة، لكن النسبة قفزت في عام 2014 إلى 43 % للقيصرية مقابل 57 % للولادات الطبيعية أي 39.827 ولادة قيصرية و52061 طبيعية (91888 مجموع الكلي للولادات بكافة أنواعها). وأخذت الولادات القيصرية بالارتفاع تدريجياً حتى وصلت إلى 54751 مقابل 48400 ولادة طبيعية بنسبة 54 % للقيصرية مقابل 46 % للولادة الطبيعية في عام 2018. ويظهر التقرير أن أغلب ولادات المشافي الخاصة خلال الأزمة قيصرية، حيث بلغت على سبيل المثال في عام 2016 نحو 20388 ولادة قيصرية مقابل 7354 طبيعية (المجموع الكلي 27742 ولادة بنوعيها)، في حين كانت بحسب بيانات عام 2011 نحو 33395 عملية قيصرية مقابل 29181 طبيعية، وعلى نقيض ذلك ينخفض عدد العمليات القيصرية إلى أقل من ذلك بكثير في المشافي العامة والمستقلة حيث بلغت 23659 قيصرية مقابل 43929 طبيعية في عام 2014. وأوضحت وزارة الصحة في تقريرها أن العدد لا يشمل بعض المحافظات والمناطق السورية خلال فترات معينة من عام 2011 حتى 2018 مثل دير الزور والرقة وإدلب (مناطق خارج سيطرة الحكومة السورية لا يمكن الوصول إليها). وتشير مصادر في القطاع الصحي إلى أن هذه الأرقام لا يظهر إلا ربع العدد الحقيقي، حيث أن توقعات برنامج التلقيح الوطني تتحدث عن وجود 500 ألف ولادة على الأقل سنوياً في سوريا، في حين كان قبل الأزمة حوالي 640 ألف ولادة سنوياً، ومرد ذلك إلى عدم تقديم المشافي الخاصة بيانات صحيحة ودقيقة تهرباً من التكليف الضريبي، وتظهر أرقام وزارة الصحة أن العمليات القيصرية في المشافي الحكومية رغم ارتفاعها الكبير فهي أقل من الولادات الطبيعية، في حين يظهر فارق كبير لصالح العمليات القيصرية في المشافي الخاصة، وتعتبر طرطوس واللاذقية أكثر المحافظات إقبالاً على العمليات القيصرية، إذ وصلت ما قبل الأزمة إلى نسبة 50%، وقد ارتفعت إلى حوالي 70 و80% خلال الأزمة. بحسب مصادر طبية.

من جهة ثانية تبين د. ريم دهمان رئيس دائرة الصحة الإنجابية في وزارة الصحة أنه في عام 2001 كانت نسبة الولادات المنزلية عالية تقارب 45 %، وأظهر مسح 2009 انخفاضها إلى 19.4%، وكان لدى وزارة الصحة تخوف من ارتفاع الولادات المنزلية مع بداية الأزمة، إلا أن المسح الديموغرافي الشامل متعدد الأغراض (المكتب المركزي للإحصاء 2019) أظهر أن نسبة الولادات المنزلية لا تتعدى 8.1%، في المناطق التي وصل إليها المسح. وكانت نسبة الولادات في المشافي الحكومية 40% ووصلت إلى 44% في المشافي الخاصة، والباقي في المراكز الصحية الحكومية والعيادات الخاصة. وتضيف د. دهمان “في دراسة مصغرة على بعض المشافي أظهرت النتائج أن نسبة القيصريات في بعض المشافي الخاصة تفوق 80%، مع ملاحظة ارتفاع نسب القيصرية في المشافي الحكومية بنسب مختلفة بين المحافظات. وهذا الارتفاع دعا وزارة الصحة إلى الطلب من مديرياتها اتخاذ إجراءات لتخفيض نسب القيصريات في المشافي الحكومية، ويبقى أن نقول أن ارتفاع القيصريات في الفترة الماضية سيكون سبباً لبقاء هذا الارتفاع لفترة وصعوبة خفضه، حيث تشكل سوابق القيصرية لدى السيدة استطباباً لإجراء قيصرية تالية”.

تكاليف العملية القيصرية في المحافظات

وتقدر مصادر طبية تكاليف العمليات القيصرية في بعض مشافي دمشق ما بين 50 و400 ألف ليرة، وهي يختلف بحسب مناطق وأسماء المشافي وخدماتها.

وبحسب أطباء، تصل تكلفة العملية القيصرية إلى 200 ألف ليرة سورية في المشافي الخاصة بمدينة حلب بخلاف تسعيرة وزارة الصحة السورية وهي بحدود 22 ألف ليرة سورية، في حين أن العمليات في المشافي الحكومية مجانية مع وجود مبلغ رمزي يقدر بـ 15 ألف ليرة.

محاولات لتخفيف النسب

الأرقام المرتفعة نبهت وزارة الصحة، فدعت مديرياتها إلى اتخاذ إجراءات لتقليل العمليات القيصرية في المشافي الحكومية. وتقول د. دهمان “تعمل وزارة الصحة على تخفيض نسب القيصريات وسوف يتم تبني التدخلات التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية لتخفيض القيصريات وهي تدخلات على عدة مستويات، ومن ضمنها ما هو موجه للسيدات والمجتمع”.

بالمحصلة لا يمكن تحييد سوريا عن بقية الدول المجاورة من ناحية تزايد العمليات القيصرية، لكن تضخم الأرقام بشكل مبالغ فيه يثير مخاوف عديدة من ناحية استسهال القيصرية بمساوئها في المجتمع بخلاف معارضة الناس لها في العقود الماضية.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر