موهبة أن تكون شاباً إلى الأبد

كان جورج برنارد شو كاتباً نشيطاً وهو في التسعين، لم تضعف ذاكرته ولم يفارقه حس الدعابة، أو رهافة الحس، وقد روى، وروي عنه، الكثير عن سن التسعين المجيد والذهبي..

اسحق نيوتن كان يمارس عمله، بكل بجد ومثابرة، وهو في سن الثالثة والثمانين. ظل يمحص نظرياته ويبدي الملاحظات الذكية، وينتج الأفكار العظيمة..

وكتب الشاعر الفريد تينسيون أعظم قصائده (عبور الباب) وهو في سن الثالثة والثمانين..

وبدأ المؤرخ ليوبولد رانك كتابه (تاريخ العالم) وهو في الثمانين وأنهاه في الثانية والتسعين. وفي سن الثمانين أنجز مايكل أنجلو أعظم أعماله، وفاز الشاعر شيوس نيدس بجائزة الشعر، وكتب غوته رائعته «فاوست»..ٍ

المؤرخ الشهير أريك هوبزباوم عاش خمساً وتسعين عاماً وظل، حتى آخر يوم في حياته، يراجع تاريخ البشرية، ويسخر من حماقات البشر، وينبهر كل يوم باكتشاف جديد..

الكاتب العالمي ماريو فارغاس يوسا، (الحاصل على نوبل 2010)، صار في الثالثة والثمانين، وما زال يؤلف كتاباً كل عام، ويكتب مقالاً كل أسبوع، ويلقي محاضرة كل شهر، ويجري حواراً كلما وجد صحفياً ذكياً يحمل أسئلة حقيقية.. بل أنه تزوج مؤخراً من فاتنة اسبانية، أسكنته قصراً في مدريد ليغدو مثار حسد للكثيرين.

جدي أبو محمد، تجاوز الخامسة والثمانين، وهو مثل جدود كثيرين منكم، ما زال يخرج إلى حقله بعيد الفجر ليتفقد أشجاره ويحارب الأعشاب التي تتطفل على نموها، وإذا تعذر الخروج فهو يرتجل عملاً ما في البيت: يبني جداراً، يهدم جداراً، يعمر قناً لدجاجات لم تعد موجودة، ويصلح باباً لا عيب فيه، ويقطع حطباً من أجل شتاء لا يزال بعيداً..

 في قصة من أمريكا اللاتينية، يأتي ملاك الموت إلى القرية في قطار الثامنة صباحاً. لديه مهمة عاجلة: أن يخطف روح العجوز انخليكا، قبل أن يعود في قطار السادسة مساء. يذهب إلى بيتها فيعرف أنها خرجت إلى الحقل، فيسرع إلى هناك ليقال له أنها غادرت إلى المرعى بصحبة بقرتها، وفي المرعى يقولون له أنها ربطت البقرة وأسرعت لتساعد جارتها في الولادة، ويخبره أهل الجارة أنها أنجزت مهمتها وغادرت لتساعد ابنة عمها في ترميم المنزل.. حلت السادسة مساء دون أن يعثر الملاك على العجوز التي بدت كأنها فراشة عصية على الالتقاط، فيغادر وهو يفكر بالحجة التي سوف يبرر بها فشله في مهمة هذا اليوم المشؤوم.

يمر أحدهم بجانب العجوز أنخليكا وهي تحصد الحبوب في حقلها، ويصيح بها:

ـ هيه يا جدة.. متى ستموتين؟

ـ عندما أجد الوقت يا بني.

جاري حسام، ولعلكم تعرفونه فهو جار للجميع، في السادسة والعشرين. يستيقظ كل يوم في الثالثة بعد الظهر، يعد النسكافيه ليمزمز بها وهو متسمر أمام شاشة الكمبيوتر، متابعاً تعليقات معجبيه على الفيسبوك. في السابعة مساء، وبعد سندويشة من يد أمه، يذهب إلى مقهى الحارة، ليخوض هناك حروب “الشدة” التي يخسرها على الدوام، قبل أن يعود، في الثالثة صباحاً، إلى فراشه السعيد، حيث سيعيد دورة حياته اللانهائية.

ذلك أن الشباب ليس ميزة بحد ذاته، ليس هبة بلا شروط، ليس علامة حصرية على الحيوية والطاقة والنشاط.. الشباب فرصة، مجرد فرصة.. وما أسهل إهدارها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر