عن عمتي “مسيلة” عاشقة التين والتعب والناس

انتصار رسلان

وكما في كل عام تنتظر أم بشار موسم العنب والتين، لتبدأ زيارتها إلى “طيرجَملة” القرية الصغيرة المشهورة بالتين والعنب والزيتون وبالناس الطيبين، عند وصولها تبدأ وقبل اي استراحة بزيارة كل بيوت القرية، وتكرر عبارة العتب الودودة على باب كل بيت: “اذا ما اجيت شفتكن انتو ما بتفكروا اتشوفوني”.

 أول زيارة ستكون لبيت أخيها الأكبر، وأول عبارة تعلمنا بقدومها ستكون: “وينكو يا بيت ابوعلي شو نايمين”، نصرخ بفرح، إنه صوت عمتنا مسيلة، نفتح الباب ونركض لاستقبالها، وكالعادة ضحكتها لا تفارق وجهها المدور الجميل ذو الخدين الحمراوين كأنهما “حبتي بندورة” هكذا نحب مغازلتها، بكل بساطة وعفوية تفترش الأرض بجسدها الممتلئ وتقول “الأرض كلها حنية وما برتاح بالقعدة إلا ع الأرض”.

 في العادة تقديم فاكهة التين للوافدين الجدد إلى قريتنا أمر بديهي، إلا أنه مرفوض لعمتي مسيلة التي اتخذت لنفسها طريقة خاصة في أكل التين، فعلى معدة فارغة ومع ساعات الصباح الأولى تمشي بخطوات متثاقلة في كرم التين، مسترجعة مع كل خطوة ذكرياتها المنثورة هنا وهناك تحت الأشجار وفوقها، على “المسطح” في كل مكان، “المسطح هو عبارة عن تجمع من الأحجار الكبيرة المتراصفة بحيث ترتفع عن الأرض ويتم تسوية سطحه بالطين الأبيض أو الإسمنت ليتم تجفيف التين عليه”، وبكل خفة تقطف حبة تين، تشمها بعمق، ثم تأكلها على مهل متلذذة بنكتها الفريدة.

تعدل من وضعيتها إلى الجانب الآخر وهي تتمتم “الشغل هد حيلي وكلشي تعبناه ونحنا شباب عم ندفع حقو هلق” فبعد خمسين عاماً من العمل المتواصل أعلنت استقالتها والسبب “دسك في فقرات متعددة، ألم مفاصل، تلف أعصاب”، العمة مسيلة كانت تتباهى بكونها إمرأة ريفية جميلة، قوية البنية، وفلّاحة من الدرجة الممتازة، وكما لها نفس مميز في الطبخ كان لها يد خضراء في الزراعة فما من بذرة أو شتلة تكفلت يدياها في لقاءها الأبدي مع التربة إلا وأعطت محصولاً وفيراً، وأما عن سقاية المزروعات في وقت متأخر من الليل فرجال القرية كانوا يقومون بهذا العمل وعمتي كانت واحدة منهم، بالإضافة إلى الحصاد وطحن الحبوب والبراعة في خبز العجين على التنور الذي مازلنا نحتفظ بنكهته الفريدة تحت أسناننا، لم يكن هناك عمل يصعب عليها، حتى قتل الأفاعي، أو “الدبكة في الأعراس على الأول”.

 تنظر من الشباك نظرة بعيدة المدى وتقول “قديش أكلت هالارض من شبابي لحتا صارت متل الجنة كنت اشتغل متل الزلم وكانوا يقلولي عمي مسيلة بدل عمتي” تضحك وترفق كلامها “الحمد لله مو ندماني ع شي إلا إني ما تعلمت ودرست، وما كان يقهرني بعد شغل كل النهار، إلا الصبايا الي يروحوا المسا يشوفوا حبيب القلب وانا يكون موعدي الغرامي مع العنزات” كان جدي يملك ١٠٠رأس ماعز وكانت عمتي هي أيضاً من يقوم بحلبها، وكل هذه الأعمال كانت بالمجان لصالح معيشة الأسرة، مما كان يضطرها للعمل الإضافي المأجور، لتغطية نفقاتها الخاصة، تزوجت عمتي برجل بسيط من قرى منطقة القدموس، بعد فقدانها الأمل في تقدم أي شاب من الضيعة لخطبتها لدخولها سن الثلاثين وخوفها من العنوسة، رزقت بثلاثة أولاد وهمها الوحيد أن تراهم حاصلين على شهادات جامعية، أو على الأقل شهادة البكلوريا، تقول وبصوت جهوري كأنها تخطب على أحد المنابر “أنا بشجع ولادي يروحوا ع الجيش وما بخاف عليهم لأن أمور بلدنا رح تتعافى، وإذا إبني وإبن غيري ما عمرها مين رح يعمرها الأجنبي مثلا، وأول شي لازم الكل يصفي قلبو ونسامح بعض لانو بصراحة الكل انظلم” اختصرت بكلماتها القليلة شرحاً وتوضيحاً مطول في فهم المرحلة القادمة. أم بشار لم تبخل بمحبتها على أحد فكيف لا تفيض بالمحبة على حماتها المشلولة، حيث عاملتها بكل إنسانية لآخر يوم لها في هذا العالم، تطعمها وتضفر لها شعرها الطويل، وتقضي لها حوائجها. تكمل قائلة “بحياتي ما كرهت حدا وطول عمري ضميري مرتاح وأول ما بحط راسي ع المخدة بنام مافي احلى من المحبة” وفي أثناء تحلقنا حولها تروي لنا الكثير من الذكريات، وتحاول جاهدة أن تنتقي المفرح منها فهي تحب الفرح وتسعى أن تنشره أينما حلت، وتستذكر إحدى زياراتها للقرية والتي استقبلت فيها قريتنا الشهيد “أبو ربيع”، وعند وصولها لبيت الفقيد وبعد تبادل كلمات العزاء وسماعها زوجة الشهيد وأخواتها يغنون مواويل الرثاء، كنوع من العادات والتقاليد في قريتهم، فما كان من عمتي إلا وأن أطلقت الزغاريد وسط دهشة النسوة الأخريات، وفي مرحلة أخرى من الحماس صارت ترفق زعاريدها بالتصفيق، تحدثنا قائلة “كل الموتى فينا نبكي ونزعل عليهم إلا الشهيد لازم يكون عزاه فرح لأن الكل بيموت الا الشهيد”.

تمسك المصاصة ترجعها للخلف بإشارة مفهومة بأنها اكتفت من شرب المتة، وبقليل من الجهد تستطيع النهوض، تودعنا قائلة “جهزولي صحن برغل لكون ارجعت لا تتكلفوا بشي بتعرفوني مابحب اكتر من البرغل ولا تنسوا قرن الفليفلة الحد”، تهم مسرعةً في المغادرة فلديها الكثير من الأحبة لزيارتهم، وفي قلبها من المحبة ما يفيض عن عدد بيوت القرية.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر