سلعة فائضة

الصحفي هو طريقة البلاد في معرفة ما يجري عليها، والصحفي الجيد هو محاولة البلاد لفهم نفسها.

وحين تكون البلاد غير راغبة، غير قادرة، غير مضطرة لفهم نفسها، فهي لا تريد على الإطلاق ان يكون لديها صحافة جيدة، وتحارب ذلك بطرق متنوعة، اكثرها سهولة أن تسلط عليها الجميع، وتسمح لأي كان أن يصبح مدققاً لغوياً، فكرياً، مهنياً، مانح شهادات بالوطنية واللغة والمسؤولية والعلمية.

طيلة عقود طويلة، كان يراد لنا أن نبدو وكأننا نتحدث من بطننا، لا نجرؤ على تحريك شفاهنا، ونتمتم بكلماتنا غير المفهومة والمغمغمة وحمّالة الأوجه، نتفادى ما يجب، نتجاهل ما نعرف، نغض النظر عما يهمّ حقاً، ونهرب إلى تكرار هذياني لمفردات أقرب للإنشاء.

كنّا من غزيّة “إن غوت” وكنّا من غزيّة “إن رشدت”، ولغواية غزية او رشدها مفردات محددة، كنّا نستخدمها دون اشتقاق، وموضوعات محددة نكررها دون ملل، ورؤية ضيقة للحياة نلتزم بها كالطقوس.

كمّ المعلومات التي يعرفها كل منّا اليوم عن حقيقة ما يجري، لا تكفيه آلاف الصفحات، وكم المعلومات التي يستطيع أيٌ منّا أن يقوله اليوم يجعله مضطراً ليملأ مساحته المخصصة بكلمات بلا معنى تقريباً، كما افعل الآن.

طويلاً كانت مشكلتنا في افتقارنا إلى الأسئلة الكافية والصحيحة، فقد لدى كلٍ منّا أجوبة لكل شيء، كنّا بلاداً فيها أطنان من الاجوبة وليس فيها سؤال واحد صحيح، كلّنا كان لدينا أجوبة لأسئلة التنمية وأسئلة المستقبل، وأسئلة التركيبة الاجتماعية، للعلاقات الدولية ومعالجة الامراض، لاولايات المشاريع، لكل شيء، لكل شيء تماماً.

اليوم لدى المجتمع الكثير من الأسئلة، ولا أحد ينبري للإجابة عليها، فمن يملك الرغبة لا يملك المعلومات الكافية، ومن يملك المعلومات الكافية لا يرغب أن يعرفها أحد، ومن يملك الاثنتين لا يجرؤ.

هذه الحالة جعلت المجتمع عرضة للأقاويل والكلام غير المسؤول، وصارت صفحات شخصية على الفيسبوك مصدراً رئيسياً للمعلومات، لأنه تقول للناس ما يريدون ان يسمعوه بغض النظر عمّا إذا كان حقيقياً أم لا.

الإعلام المحترف ليس سلعة فائضة في أي مجتمع، بل هو بنية أساسية تحتاجها المجتمعات لتخرج من مآزقها، ولتتابع حياتها.

سنستمر في التحدث من بطوننا، وتمرير كلمة هنا وكلمة هناك، وفتح أفواهنا أحياناً، كي لا يقال أننا أعنّاكم على أنفسنا.

كم لبثنا – صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر