دراما

فسحة للكتابة: الرابعة فجراً بتوقيت دمشق

دراما | داماس بوست

«دمشق الحرائق» صارت هذه الأيّام تستحقّ التسمية ليس بذريعة الحرب بل بسبب الحرّ اللاهب! لا أحد يتمكّن من النوم. صوت المكيّفات المتعبة من كثرة ساعات التقنين، يمتزج مع شخير المولّدات وأزيز بعض رشقات الرصاص الواصلة من أطراف المدينة. تكّات عقارب الساعة الجدارية مثل صنبور مياه معطّل.

مرّ الوقت الليلة قبل الماضية بطيئاً، إلى أن صعد قارئ مقام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ليجوّد ما تيسّر له بصوته علّه يذكّر بصلاة الفجر. خامته الجميلة تفتّت الحجر. لكن ألا يستحقّ شيخ الصوفية الأكبر صرحاً أكثر إبداعاً من مسجد؟ ثم من أين أتى المؤّذن بالكهرباء في هذا الوقت المتأخر، ترى كيف تقتنص دور العبادة حصّتها من نور الشام؟! ولماذا لا ينقطع التيار عنه في منتصف أذانه مثلما غرق المسرحان الوحيدان في دمشق «الحمراء والقباني» أكثر من مرّة في ظلام جارح، آخرها أثناء عرض «ستاتيكو» (تأليف شادي دويعر إخراج جمال شقير- الأخبار 28/2/2017). علماً أن عدد المساجد في دمشق تجاوز 120 جامعاً عداك عن 40 كنيسة. ذات مرّة، أجرى أحد الممثلين السوريين المخضرمين إحصائية بسيطة لما تستهكله دور العبادة من كهرباء وماء أثناء أزمة المياه الأخيرة، فوجد أنه لو توقفت دور العبادة عن الاستهلاك مؤقتاً لوجدت «عاصمة الأمويين» مخرجاً خدماتياً ولو بمساحة خرمة إبرة.
شطحات الأفكار تصيب كل من يؤرقه النوم. هكذا، تعيدنا أربع ضربات متتالية من منبّه الساعة القديمة إلى صوابنا الذي كدنا أن نفقده، ونحن نفكّر في إغلاق المساجد. إذا إنها الرابعة تفجيراً بتوقيت أعرق مدن التاريخ. لا شكّ في أن السيناريست والروائي السوري حسن سامي يوسف يكابد الأرق، ويصرخ على الفايسبوك بصوت سكان البلد جميعهم «أبحث عن النوم إن كان هناك بائع فإنني مشتر!»، فجأة ينبعث صوت الفايسبوك ماسنجر. لن نطيل الحيرة لنعرف من يخاطبنا في هذا الوقت المتأخر. حتى يطّل عبد المنعم عمايري (الصورة) بطاقته الاستثنائية والخاصة ويقول بسخرية ممزوجة بصعلكة حانات وبارات ومسارح الشام أيّام زمان: «مرحبا أستاذ» نُجيب بجدية وحبّ. فيستطرد بسخريته «مين معي الأستاذ ولا أحد مساعديه». يعلو صوت الضحك الافتراضي، فيقلب المنقلة فوراً من خانة الكوميديا إلى موقع الحنين، بحرفة دردشة توازي خبرة ربع قرن في فنّ التمثيل. يقول «مررت في شارع الحمرا البيروتي وشعرت بغصّة لأنك لم تكن هناك»، يوغل في الحالة حتى ندمع. فيعود بسرعة الشهب إلى الكوميديا من جديد، وينهال بسيل من الشتائم بطريقة لا يمكن الردّ عليها سوى بالضحك العالي. يتركنا نتذكّر كيف صادفناه أخيراً في فندق الشام مع ابنتيه سلمى ومريم. الأخيرة تلعب بمهارة دور الرقيب عليه مجرّد أن يهوي في حديثه بكلمة خارج إطار الذوق العام. تلاحقه بسؤال يختصر معنى البراءة «شو قلت»، في تلويح بأنها ستشكوه لجدّها الاستاذ المدرسي الرصين الذي يهاب العمايري جانبه ويحسب له ألف حساب حتى الآن.
نستعيد كيف لعب هذا المخرج المسرحي بطولة لوحة في أحد أجزاء «بقعة ضوء» تحكي عن شاب يحاول إقناع محيطه بمقدراته التمثيلية من خلال إدعاء حالات معينة، فيتمكّن بحكنة من إيهام الجميع بما يؤديه. ربما اللوحة تختصر حياة الرجل المسيّجة بالإبداع. نجرب أخذ الحديث نحو جديّة ومنطقية وتراتبية نعاتبه على تقصيره في كثير من التفاصيل الهامة، يتماشى مع الحالة قبل أن يعود لإختراع تهم وإلصاقها بنا، علّه ينسينا سبب العتاب، ويحيلنا إلى مواقع الدفاع مجدداً! العمايري كما هو حالة خاصة جداً، ربما يكون أكثر المقصّرين اجتماعياً، وأقلّ الملتزمين أدبياً بمنطق الصداقة، لكنه حتماً لا يتفنّن في الأذية كما صار يفعل غيره من العاملين في الوسط الفني السوري. إن قرّر صاحب «صدى» أن يُحيل المكان طاقة سلبية، فيفعل ذلك بلعنة، لكنّه عندما يحرف البوصلة 180 درجة مئوية، لن نجد سوى مكان يضجّ بالطاقة الإيجابية العامرة، التي تعدل المزاج وربما لن ينافسه على ذلك أحد. ينهي صاحب مسرحية «سيلكون» (مشروع تخرّج طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية) الحديث فجأة عندما يتذكّر أن يومه التالي هو آخر أيّام تصويره في مسلسل «فوضى».

المصدر: وسام كنعان - الأخبار

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة