دراما

عن الفانتازيا الشامية ومحنة الدراما السورية

مصدر الصورة: تشرين
دراما | داماس بوست

كانت مفاجأة بالنسبة لي؛ حين تمت مواجهتي مع السيناريست مروان قاووق في أحد البرامج التلفزيونية، وسألته: ألم تتخم هذه المرحلة التي تمتد من بداية القرن العشرين وحتى قبل منتصفه بعقدٍ من السنين بهذه الدراما التي أطلقتم عليها «دراما البيئة الشامية»، وأظن أن عليكم اليوم إما أن تنتجوا مسلسلات بحجم مسلسل «حمام القيشاني» أو أن توقفوا هذه الأعمال التي لا تمثل سورية، ولا البيئة الشامية بأي حال من الأحوال؟!

المفاجأة بالنسبة لي كانت موافقة السيناريست مروان قاووق لوجهة نظري، وكنت أظن أنه سيقوم بهجوم مُعاكس على انتقادنا الدائم لـ«الدراما داخل السور» بل إن قاووق تجاوزني بالهجوم على هذه الأعمال التي هو أحد صُناعها الرئيسين. وعندما سأله مقدم البرنامج: إذاً لماذا الإصرار على التنويع عليها في كل مرة وإضافة الأجزاء التي لم تضف جديداً؟
أجاب: ببساطة لأن الفضائيات العربية لا تطلب إلا نوعاً كهذا من الدراما، فهي المقبولة اليوم عند هؤلاء القوم، وأمام كساد الدراما نقوم بهذا التنويع على هذه المسلسلات التي نكررها دائماً، ومن ثم صحح قاووق وصفها بأنها «فانتازيا شامية» وليست مسلسلات بيئة شامية ولا تُعبر عن الشام.


كان يُمكن أن نوافق السيناريست مروان قاووق على مصطلحه «فانتازيا» ومن ثم لا يُمكن قراءتها كوثيقة عن الشام، لولا عدة أمور أدخلت على تلك الأعمال ضمن «البيئة الدمشقية» على وجه التحديد باعتبار الشام قد تأخذنا لما هو أوسع من مدينة دمشق، إلى كل بلاد الشام، لكن ما حصر تلك الأعمال ضمن «بيئة دمشق» هو تصويرها ضمن حارت دمشقية قديمة محددة، وبأزمنة معروفة وموثقة من لباس ولهجة وعادات وغير ذلك الكثير، الذي يمنحها – للأسف- أن تُشكل وثيقة تاريخية، ومن يدري ربما البعض يقرؤها على أنها الشام اليوم، وذلك بكل تلك اللبوسات التي خرجت بها، وبكل تلك الحمولات المثيولوجية والإيديولوجية والمقولات التي كانت غايتها.
من هنا؛ فإن أمر الفانتازيا لا يركب على مثل هذه الأعمال وهنا يُمكن أن نذكّر بما أقدم على إنتاجه وتقديمه المخرج نجدة أنزور خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما طُلب منه «فانتازيا» تُحاكي الحروب الطاحنة للقبائل العربية وتناحراتها من دون أن يُشير إلى ذلك من قريب أو من بعيد، فقدم بالتعاون مع السيناريست هاني السعدي مجموعة من الأعمال الفانتازية: الجوارح والكواسر وغيرها، ورغم كل الإسقاطات التي حدثت حينها ومحاولة «لصقها» بواقع ما، في بعض مناطق العالم العربي، غير أنها بقيت حقيقة «فانتازيا»، فهي لم توثق لشعبٍ ما بلباس، أو لهجة، أو عادات، ولم تشر لزمن محدد أو بيئة محددة، وإنما بقيت أعمالاً مسلوخة ومقطوعة من زمانها ومكانها.


اليوم بتقديري؛ لا تحتاج الدراما السورية كثيراً من الجهد حتى نعرف أسباب محنتها، وهي تتلخص بأمرين: الأول ندرة النص، وغياب المؤلف الأديب الحقيقي، في مُقابل انتشار «السينارست» أي الصانع وصاحب الحرفة، وليس الأديب الذي يقدم متعاً وقيماً جمالية ضمن مقولات معرفية. وأظن أن أمر تجاوز هذه المحنة، هو من أهون الأمور؛ ببساطة، أن يتم «استثمار» حرفية صاحب الصنعة الحريف، أي السيناريست في تحويل الروايات السورية التي الكثير منها يُمكن تقديمه في أعمال درامية إذا ما توافر مثل هذا السيناريست الحرّيف.
وأما المحنة الثانية، فتكمن في غياب المخرج صاحب المشروع الثقافي، وانتشار المخرج المنفذ، وهذه الإشكالية كنا قد أشرنا إليها في مقالٍ سابق، ولا أعتقد أن مسألة البحث عن المخرج صاحب المشروع الثقافي وإيجاده هي بالأمر العسير، فهم موجودون بيننا وينتظرون الإشارة عندما يتوافر ذلك النص الذي أشرنا إليه، وبذلك نكون كسبنا قيماً جمالية مركبة ومضاعفة، وذلك برفع الدراما التي استهلكت بالشفاهية والثرثرة إلى حالة أدبية راقية.

المصدر: تشرين - علي الراعي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها