وجهات نظر

في قهوة عالمفرق

مصدر الصورة: philips
وجهات نظر | داماس بوست

السيدة العجوز جالسة في مقعدها أمام النافذة، تلتفت بين الحين والحين إلى المارة في الشارع، لكن  تحمل بين يديها ما يشبه الكتاب، هو شيء ما تتأمله بإمعان، عبارة عن نموذج لواحد من  تلك الأشياء الأساسية/ الكمالية التي باتت مفعمة بالحنين على الدوام، والتي كانت شائعة للغاية على امتداد سنوات القرن العشرين، شيء ما سينقرض على الأغلب بعد زمن ليس بطويل، وقد لا تبقى منه نماذج إلا في بعض المتاحف التي تهتم بتوثيق أزمان معينة، حيث تُعرض مجموعات لأشياء كانت مألوفة في حياتنا اليومية، فتُحدث رؤيتُها صدمة عند الزوار من فئة أولئك الذين يمكن القول إن أعمارهم انتصفت مع انتقال الروزنامات من قرن إلى قرن، أو فلنقل بعبارة أخرى، أولئك الذين شعروا بنوع من الاستغراب عندما شاهدوا، على سبيل المثال، عند افتتاح مركز جورج بومبيدو في قلب العاصمة الفرنسية باريس في أواخر سنوات السبعينات، جهاز التلفون الأسود الكبير، ذا القرص المعدني، معروضا في زاوية من متحف المركز المخصص للفنون والأدوات المعاصرة، وقد كان من أكثر الأشياء ألفة، فإذا به يصبح تحفة أثرية، هذا الجهاز الذي كانت تفخر به المنازل فيتصدر غرفة الصالون متباهيا، وقد كان من مهامه نقل همسات الحب تارة، وتارة أخرى صراخ الغضب، إلى جانب ثرثرات أخرى لا بد منها ليكتمل التواصل بين البشر.

ما كانت تتأمله السيدة العجوز بكثير من الحنين والحنان كان “ألبوم صور”، وهناك احتمال في أن بعضا من أبناء جيل الفيسبوك الحالي لا يعرفون كيف يكون شكل هذا “الشيء”، فمنذ عدد لا بأس به من السنوات لم تعد الصور تُطبع على سطح ورقي أو كرتوني، لتوضع في الألبومات، بل يُحتفظ بها في أجهزة “الموبايلات” أو في ذاكرة آلات التصوير الرقمية… ومن المتع الكثيرة التي بات أهل جيل اليوم يفتقدونها، ربما، متعة انتظار “تحميض” أو إظهار الصورة لدى المصوّر الذي يعرض في واجهة دكانه صورا بالأبيض والأسود والرمادي لنجوم هوليوود أيام زمان أمثال كلارك غيبل، واليزابيث تايلور، وبعد الانتظار نتأمل النتيجة ونبدأ بالتساؤل، هل الصورة ناجحة أم لا؟

ها هي الصورة المفضلة لدى المرأة العجوز من صور الألبوم، تبدو فيها جالسة في المقهى الصيفي، وفي الهواء الطلق، مع زوجها عندما كان فقط خطيبها، كان يحدّثها عن مستقبل مُشرق، أقصى الأماني فيه حياة بسيطة مع اثنين من الأبناء، ولد وبنت، لا أكثر، قد يصبح الولد محاميا أو طبيبا، والابنة ربما سكرتيرة في شركة محترمة، تطبع على “الدكتيلو”، في ظل وطن آمن.. متى كان ذلك؟!

تحاول المرأة العجوز أن تتذكر… قبل العدوان الثلاثي على البلد الشقيق، وشارك خلاله الوطن وجيشه إلى جانب البلد المُعتدى عليه، تذكّرتْ النزول إلى الملاجئ عند حدوث بعض الغارات المستهدفة أمن المواطنين، تلونت صور الذاكرة بلون الأزرق النيلي الذي تم به طلاء زجاج النوافذ والمصابيح الكهربائية، في الشوارع وفي البيوت…

وتتواصل الذكريات، كان ذلك قبل سلسلة الانقلابات التي كانت المرأة مع عائلتها تلتزم بساعات منع التجول، قبل أيام التلفزيون، وكانت المتعة الوحيدة، في البيوت، سماع الأعمال المسرحية الرحبانية الفيروزية: “البعلبكية”، “جسر القمر”، بياع الخواتم”، وتتخللها بلاغات بالأرقام، من واحد إلى ما شاء الله، وحتى يفرجها الخالق…

وكان الفرج الإلهي يأتي على الدوام، على غرار النهايات السعيدة في الأفلام السينمائية المصرية وحتى الهوليوودية، يتزوج البطل من فتاة أحلامه، أو العكس، البطلة تفوز بفتى أحلامها، ثم تُسدل الستارة، قبل أن نتأكد من أنهما عاشا في “تبات ونبات وخلّفا صبي وشوية بنات”…

حتى تلك الحرب اللعينة لم تدم أكثر من بضعة أيام… لقد مرت أيام كثيرة وأزمات كثيرة على زمن تلك الصورة التي كانت تتأملها السيدة العجوز، رفعت بصرها وألقت بنظرة سريعة على شاشة التلفاز التي تعرض صور عنف لا يُطاق، عادت إلى صورتها المفضلة في الألبوم، ثم أغمضت عينيها، وفكرت: “بتخلص الدني، وما في غيرك يا وطني… بتضلك طفل صغيّر”.!!

 

المصدر: هيام حموي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة

    There is no related content