دراما

«سمرقند» يتبرّأ من التاريخ

مصدر الصورة: MBC
دراما | داماس بوست

«لا يمكنك أن ترتقي صهوة السلطة والحكم في بلاد العرب، إلا إن لبست ثوب الواعظين وتحزّمت بسيفٍ قاطع» بهذه الكلمات التي تبدو كنبوءة، يستهلّ «حسن الصباح» (عابد فهد) شارة مسلسل «سمرقند» التاريخي من كتابة محمد البطوش وإخراج إياد الخزوز.

العمل المستوحى من رواية للكاتب أمين معلوف تحمل الاسم نفسه، وهو من بطولة: عابد فهد، ويوسف الخال، وميساء مغربي، وأمل بوشوشة، وجريس النحاس.

تدور أحداث المسلسل في ممالك ومدن بلاد فارس وما بين النهرين، في القرن الـ11 أثناء حكم الدولة السلجوقية. وبعض أبطال العمل شخصيات تاريخيّة كالوزير السلجوقي «نظام الملك» والشاعر الفارسي «عمر الخيّام». سارت أحداث الحكاية عبر خطين دراميين أساسيين، أحدهما يصور حياة الملوك والسلاطين في القصور، وما يجري في أروقة صنع القرار، والثاني رصد صعود حركة المتمردين التي تعرف باسم «الحشاشين» بقيادة «حسن الصبّاح».

تميّز «سمرقند» على صعيد الإخراج وأداء الممثلين، واحتوى قدراً كبيراً من التشويق والقدرة على اجتذاب اهتمام الجمهور. لكنه عمد في الكثير من المواضع إلى الإطالة عبر التركيز على اللوحات الراقصة والغناء، كما لو أنه يكرس صورةً استشراقية بامتياز لحياة السلاطين وجواريهن بين الستائر والحدائق.

بتأمل الشخصيات التي يقدمها العمل، طالعنا الوزير «نظام الملك» الذي يسيّر أمور الحكم ويمتلك زمام القرار فبدا «الملك شاه»، سلطان السلاجقة مجرد واجهة. ظهرت الشخصيات النسائية ممثلةً بالملكة «تركان» وضرتها الملكة «زبيدة» ماكرات متسلطات، يستخدمن غوايتهن لفرض إرادتهمنّ على الرجال. وفي المقابل بدا «عمر الخيّام» نموذجاً للمثقف المعاصر، فهو منشغلٌ عما يحصل حوله بشؤون علمه وبناء مرصده، كمثقف مترفع عن أمور السلطة، لكنه يعيش في كنفها كي تؤمن له المعدات اللازمة لإتمام مشروعه في رصد النجوم وعلم الفلك.

بالتأكيد استفاد العمل ضمنياً من الشهرة التي تمتلكها رواية «سمرقند»، باعتبارها أحد أبرز أعمال أمين معلوف. وإذا كانت عملية الإبداع الدرامي تتيح حرية أكبر في الخروج من قيود النص إلى فضاءات بصرية ودرامية أكثر اتساعاً، يحق لنا السؤال هنا عن المفردات والتفاصيل التي تم تصديرها باعتبارها الأبرز في العمل الدرامي. من الواضح أن الغلبة في «سمرقند» كانت للإثارة ومشاهد القفزات البهلوانية والمعارك والدسائس النسائية، على حساب الأبعاد التاريخية والفكرية الأخرى.

ينفي كل من كاتب العمل محمد البطوش ومخرجه إياد الخزوز، في لقاء سابق نشرته قناة «أم بي سي» على موقعها الإلكتروني، الشهر الماضي، أن يكون «سمرقند» عملاً توثيقياً تاريخياً. بل هو على حد قولهما «عمل درامي يشتمل على حكايات ورؤى خاصة به، لذا فهو لا يرتبط نهائياً بأي عملٍ أدبي آخر قد يحمل الاسم نفسه، ولا يوثّق لأحداثٍ جرت في فترة معيّنة من التاريخ». كما لو أن القيمين على العمل قطعوا بذلك الطريق منذ البداية على عقد أي مقارناتٍ بين النص الأدبي والعمل التلفزيوني. وبالرغم من توضيحات الكاتب والمخرج، بقيت هوية «سمرقند» ضائعة بين الواقعية التاريخية التي تستند الى أحداث حقيقية و «الفانتازيا»، حينما يقع مثلاً الملك «شاه» ضحية سحر زوجته «زبيدة» التي غرست فيه كره زوجته الأولى «تركان» لخمسة عشر عاماً قبل أن تستطيع الأخيرة فكّ تأثير السحر واستعادة زوجها بالسحر أيضاً.

في المقابل أكّد المخرج أن العمل يحتوي على الكثير من الإسقاطات حول قضية الإرهاب ومحاربته، قائلاً: «سمرقند انعكاسٌ للصورة الحالية المعاصرة في بعض الدول العربية، ولكن بأسلوبٍ درامي شيّق مع الحفاظ على الغلاف التاريخي العام». وتكريساً للربط مع الواقع المعاصر، نشاهد فساد السلطة والعبيد التوّاقين للحرية، والملوك المنصرفين عن شؤون بلادهم طمعاً بالملذات. يتم التعبير عن المقولات على ألسنة شخوص العمل مثل النخّاس «سلمان» المسؤول عن إخضاع العبيد والجواري المتمردين، فيعلمهم الطاعة، وتحديداً أولئك الذين «يعيشون وهم الحرية» كما يقول. أو حينما يبادر «حسن الصباح» عبداً حرره بالقول: «كنت عبداً وأصبحت حراً وللحرية ثمنٌ»، لكن بعيداً عن تلك «التلميحات المعاصرة» بدت مقولات العمل النهائية غائمة وملتبسةً.

أعاد اهتمام صنّاع الدراما بإنتاج الأعمال التاريخية السؤال حول جدوى استحضار أحداث وشخصيات محددة، إن لم يكن الهدف من ذلك الاستفادة من دروس الماضي، وتأمل المصائر التي لحقت بالشخصيات والمدن والملوك كما دوّنتها كتب التاريخ. وكي يتحقق ذلك الشرط لا بدّ من أن يولي كتاب الدراما أهمية قصوى للظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية التي أنتجت تلك الأحداث. فـ «عمر الخيّام» لا يكون هو نفسه إذا ما تم انتزاعه من مجرى الظرف التاريخي الذي وجد به.

المصدر: نور أبو فرّاج - السفير

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها