صحي

الحُرمة الشخصية

صحي | داماس بوست

الحيز الشخصي أمر شديد الفردية و لكل منا مقداراً محدداً من الحيز الجسدي و نرغب في المحافظة عليه بين ذواتنا و مع الآخرين . يعمل هذا الحيز الشخصي كحد بين الذات و الآخرين و الذي قد يعكس سماكة الحدود النفسية في مجالات أخرى .

 منذ فترة كنت أراقب أحد أصدقائي ، و هو شخص خلاق و شعبي ، و هو يتحرك في مناسبة اجتماعية. لاحظت أن معظم الناس ، حتى و هم يناورون للدخول في الحلقة التي تحيط دوماً به ، كانوا يرتدّون عنه عندما يتحدث إليهم . لدى صديقي " مشاكل حدودية " و هو يقر بذلك . إنه يميل لانتهاك الحيز الشخصي للآخرين لأنه يشعر بأنه "متصل" انفعالياً بأي شخص . 
يقول صديقي أن لديه حدوداً رقيقة . وأمثاله أشخاص منفتحون ، مفرطو الثقة ، و حميميون مع الآخرين . إنهم يختبرون الحد بينهم وبين الآخرين على أنه مسامي و شفاف . أما الذين لديهم حدود سميكة فهم أشخاص متصلبون ، محميون ، و يبدو كما لو أنهم يضعون درعاً واقياً . و هؤلاء يختبرون الحدود بينهم و بين الآخرين على أنها صلبة ، يتعذر اختراقها ، و غالباً ما يكون لديهم مشكلة مع الحميمية . 
في كتابه المعنون باسم " الحدود في العقل " يشرح إرنست هارتمان مفهوم الحدود السميكة و الرقيقة . و هو يلاحظ مجموعة من الخصائص الأخرى في الحدود السميكة و الرقيقة . فالناس ذوي الحدود السميكة على سبيل المثال ، يميلون لأن يكونوا منظمين جداً و يضعون الأشياء في موضعها . أما ذوي الحدود الرقيقة فيبدو أنهم غير منظمين و يعملون بعفوية و ليس وفق خطة أو جدول محدد . قد يكون لدى ذوي الحدود الرقيقة صعوبات في تفريق الأحلام عن الذكريات ، كما يرجح أن يقضوا وقتاً طويلاً في أحلام اليقظة و أن يعانوا من الكوابيس . هؤلاء يقعون في الحب بسهولة أكثر ، و لديهم مشكلات في الهوية ، و تنتابهم أحاسيس بأنهم أطفالاً و بالغين ، و ذكوراً و إناث في الآن نفسه . أيضاً هم معرضون لخبرات إدراكية غير اعتيادية ( مثل الإحساس برؤية شخص من قبل رغم عدم حصول ذلك dèja vu) و الحاسة السادسة و الإحساس المسبق بحدوث الأشياء . و من الملاحظات المستقاة من الخبرة السريرية النفسية ، وجدت أن لدى كل أغلب الذهانيين و الفنانين حدوداً رقيقة . 
على العكس من ذلك فإن ذوي الحدود السميكة قد يشعرون بالمجافاة و بعيدون عن التماس .... التماس مع حدوسهم و مشاعرهم فضلاً عن بعدهم عن الآخرين . 
تمتد الحدود الرقيقة و السميكة إلى ما بعد التفضيلات الذاتية و بين الشخصية . مثلاً ، قد يفضل ذوي الحدود السميكة أيضاً حدوداً سميكة في العالم الخارجي . قد يفضلون الواقعية في الفن على الانطباعية ، كما يميلون إلى دعم الحدود الحصينة بين الأمم . في بيوتهم يفضلون الغرف ذات الوظائف المحددة ( الجدران بين المطبخ و غرفة الطعام و غرفة الجلوس ) و ليس الشقة المفتوحة على بعضها . 
بالعودة إلى صديقي الذي لديه مشاكل حدودية رقيقة ، فهو شخص محبوب من زملائه و طلابه ...و لكن لديه " دراما " ثابتة في حياته بسبب حدوده الشخصية الرقيقة . فبسماحه للكثير من الناس بتجاوز حدوده و " الولوج " ، فقد خلق حيزاً داخلياً حيث يعاني الشخص اللصيق به من أزمة دائمة و حيث يحتاج إلى اهتمامه دوماً . هذه الدراما المستمرة قللت قدرته على أن يكون منتجاً في مهنته الإبداعية .
إذاً ، ما هي الحدود المثالية لحدودنا ؟ هل يميل المبدعون بشكل عام لأن تكون حدودهم أقل رقة من الأقل إبداعاً ؟ و هل لدينا سيطرة على سماكة أو رقة حدودنا ؟ لنفكر بحدودنا و نقرر كيف سنجيب على هذه الأسئلة .
 

المصدر: تيسير حسون - طبيب نفسي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها