وجهات نظر

ماء .. ماااع!؟

مصدر الصورة: Reviewonline.com
وجهات نظر | داماس بوست

د. نهلة عيسى

منذ خمسة أيام أحدّق في حنفيات بيتي، وقد تحوّلت إلى غار حراء بلا نبي، تجلّلها خيوط العناكب السوداء، فيعوي في داخلي الحرمان، وأهرب نحو السطح لتفقّد الخزان، فيلاقيني المطر، فأغمض عنه عيناي تأفّفاً: ليس وقتك يا مطر، ماء منهمر ونحن رفاق الظمأ!؟ وأتابع زحفي المقدّس لأسند رأسي على صدر الخزان، لعلّي أسمع ولو وهماً، صوتاً يشبه صوت الماء، فلا أسمع سوى قرقرة أشبه بمااااااع، فأسقط في فخ وعيٍ ليس زمانه، أن من عَطَّشنَا يريد العودة بنا إلى زمن المااع!؟.

خبت النار بجوف المدفأة، وقلبي ثلج، ست سنوات عجاف، نتعزّى بأيوب، رغم أن أيوب نبي، ونحن مجرّد عباد، أيها الرب: كلما داوينا جرحاً، نكؤوا لنا جرحاً، وكلما فزنا بامتحان خسرنا من العمر عاماً، كم عاماً في العمر يحتمل كل هذا الصدأ، أيها الرب: لم يبقَ في جعبتنا غير الحكايات السيئة، فماذا سنروي في تالي الأيام للأحفاد، ترانا سنقول لهم: كان يا ما كان عندما عشنا زمن المااع!؟.

مااع، والمطر مدرار يغسل الشجر والحجر، ولا يروي عطشاً، ونحن بانتظار، ست سنوات يجمعنا مع الأمل ليل، ويفصلنا نهار قتّال، لهاث ساخن وغبار، وأحبّة يرحلون إلى تراب، ونخشى أن يرحل التراب، أيها الرب: ماذا يفعل المكلومون مثلنا، إذا ولّاهم العدو الظهر، وفي أكفهم بقايا سهم، هل يغرسونه في الظهر، أم يغفرون، أيها الرب: ونحن في قمة العطش غفرنا، ليس أيوب وحده النبي!؟.

مااع، وقهوتنا بلا ماء، وحياتنا دلاء، ووجوهنا الغارقة في سحب الدخان ما ابتسمت، تقرأ باهتمام ملحوظ التحذير: الدخان يسبّب السرطان، فينتابنا الضحك، يا لِخسران السرطان، لا حظّ له في أعمارنا، فالمنافسة قوية، والغلبة للأسرع، والسكين، والساطور، والصاروخ، والهاون، بعد التجربة، هم الأسرع، فنشعل اللفافة الثانية.

مااع، ونتوه في مدننا القديمة العجوز، نستلهم منها العبرة، نسألها بحكم الخبرة: أين خطوط النار؟ وكل شوارعنا نار، وهل ترى الرصاصة الأولى كانت هناك أم هنا؟ وهل الحصار على الحدود، أم الحصار ها هنا؟ حيث الجدران ظلال لأقواس نصر يكسوها الصقيع، تنتظر أشعة الشمس من الشمال، وترفع الأصبع محذرة: لا تصدقوا أكذوبة الشروق، كل الجهات ظلام، ووحده السيف يشق طريق النور، ألا تسبق العاصفة سقوط المطر؟.

مااع، وأرضنا ملقاة على صدورنا ظامئة رغم المطر، وقهقهة اللصوص تحاول سوق هودجها، باتت قرطاً في الأذن، والنهر سمّمه المغول، وصبرنا يخبو من الإعياء، يستسقي جذور الشوك، ولا ينحني لبساط النفط، ولا لزناة الترك، ولا للطواويس التي نزعت تقاويم الحائط، وأوقفت الساعات، لتتجشأ حاضرنا في ماضي الزمان، إكراماً للسلطان، وسعياً للجلوس على موائد “ابن سلول”، يوزع النياشين على الخصيان، ويتباهى ملوك القش أنهم خصيان، ونحن عطاشى!.

مااع، ونسأل زرقاء اليمامة، عن وقفتنا العزلاء بين السيف والجدار؟ يا مبصرة، يا بصيرة: تكلمي، لا تُسكتي صوت الحق، من ذا غيرك يقول الصدق، هل عامنا هذا آخر الأضرحة، أم كيوسف سنتمّ السبع؟ تجيب زرقاء اليمامة: ظمئتم ستة من الأعوام، فَنَمت وردة صابحة حمراء في شرفة بيت في حلب، صابروا قليلاً، فبين الماء والماع حرف، فتحصّنوا بالهمزة، واجعلوا حرف العين صليباً للخصيان.

المصدر: جريدة البعث

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها