خاص

خطاب الكراهية.. مجلس الشعب إنموذجا

مصدر الصورة: داماس بوست
خاص | داماس بوست

يعتبر موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أكثر منصات التواصل الاجتماعي رواجا في سورية، إلا أن الملموس منه تحوله إلى أكثر منصبة يتبادل فيها السوريين لغة "الكراهية"، سواء بقصد مباشر لهذا الفعل، أو عن حسن نية، ولعل الصراعات الأكثر تأثيراً في المجتمعات، تلك التي تشعل نيرانها مواقع التواصل الاجتماعي بين مؤيدي "علمانية الدولة"، والمتدينيين، والمثال في ذلك ما حدث مؤخراً مع عضو مجلس الشعب "نبيل صالح"، إثر إطلاقه مجموعة من "الاتهامات"، باتجاه "حزب البعث - وزارة الاوقاف"، فيما يخص الذهاب نحو أسلمة الدولة.

إن حسن النية لدى النائب "صالح"، كان يتطلب منه الكثير من التروي في اختيار المفردات وبناء النص الذي يوجه من خلاله النقد، ليبتعد عن الوقوع في مطب "لغة الكراهية"، التي ستسفز الخصوم في الفكرة، من قبيل استخدامه لمصطلح "تجحيش"، في إشارة منه إلى الطريق التي يستعيد فيها الرجل مطلقته بوجوب تزويجها لرجل ثان، وإن كان المقصود في خطابه الترميز إلى علاقة سياسية بين حركة دينية وأخرى، أو المقصود فيه التصويب على الموروث الديني، فإن استخدام هذه اللفظة اعتبره البعض من المتدينيين استفزازا غير مبرراً لكون هذه اللفظة محرمة الاستخدام شرعا بكونها تسيء لإنسانية المرأة عموما من خلال تشبيهها بـ "الحمار".

كما أخذ على السيد "صالح"، ذهابه نحو سوق اتهامات بوجود حملات "تبشير"، داخل حرم الجامعات السورية والمؤسسات الحكومية يقوم بها كل من "الفريق الديني الشبابي"، و "القبيسيات"، على إن مثل هذا الاتهام كان يلزم السيد "صالح"، بسوق أدلة لتعمل كامل وسائل الإعلام على محاربة مثل هذه الدعوات التي تستند أساسا إلى إقامة المحاضرات وتوزيع المنشورات الدعوية لهذا الفريق أو تلك المؤسسة، وعلى أساس ألا دليل على وجود مثل هذه الدعوات "التبشيرية"، راح فريق من "النواب"، وآخر من "المتدينيين"، لتحويل "مجلس الشعب"، إلى ساحة لاتهام السيد "صالح"، بجملة من التهم التي لم تخلو أيضا من "لغة كراهية"، عالية المستوى، وكان لزاما على من اعتبروا أنفسهم في موقع "فاعل رد الفعل"، أن يتحلوا بالكثير من الهدوء والحب، ليكون خطابهم الموجه إلى السيد "صالح"، بعيداً عن الاتهام والنيل منه كشخص، فما قدمه مجموعة من الأفكار التي قد تصيب وقد تخطأ، ولم يقم بمحاولة زعم النبوة أو البحث عن قلب غير مبرر للمعايير المجتمعية، إذ إن سورية كبلد بحاجة حقيقية للوقوف عند الكثير من المفاهيم المجتمعية لإعادة بناءها وتصويب الخاطئ منها، فالتمسك بالموروث على جهالة أو تجاهل بخطورته، سيبقي المجتمع السوري في خانة الحرب.

النخب الثقافية والمعرفية مطالبة بالإلتزام بقواعد الخطاب الثقافي البعيد عن التشنج، ﻷن ما يتم تداوله من إعادة للتغريدة التي ينشرها هذا المثقف أو ذلك المتدين، توّلد خطاباً من روح "التغريدة"، نفسها، فإن كانت تدعو لرأي مخالف بلغة حب سيكون من الطبيعي أن يتلقاها الآخر بالكثير من الاحترام الذي يؤسس لنقاش واع وجاد يوصل المتحاورين إلى إحدى نتيجتين، الأولى قد تكون الاتفاق على فكرة ثالثة جامعة للطرفين، والثانية أن يبقى كل من الطرفين على قناعته دون أن يفكر بالمساس بقناعة الآخر، إلا أن ممارسة ثقافة الإلغاء بلغة كراهية عالية المستوى، سيولد جحيماً من تبادل الاتهامات يأخذ المجتمع نحو صراعات فكرية متجددة، هي آخر ما تحتاجه البلاد خلال السنة التاسعة من عمر الحرب.

إن مجتمعا تغلف الكراهية خطابه لا يمكن له أن يخرج من دائرة الحرب التي أحرقت الأخضر واليابس، وإن كانت حرية التعبير حقاً مصانا بالدستور السوري، فإن احترام الآخر واجب ملزم للمرء وفقا لقوانين الاخلاق، على إن الكراهية قد تتولد في الخطاب عن غير قصد، وإن كانت النوايا الحسنة حاضرة في أي رأي قد يعاكس غالبية أو مجموعة كبيرة من المجتمع، فإن البحث عن المفردة المناسبة أضعف الأيمان في بناء الخطاب، على أن الطرف الآخر ملزم بأن يلتزم الهدوء إن لمس شيئا من الكراهية التي قد تكون غير مقصودة، وأن يعاكس القاعدة الفيزيائية التي تقول "يماثله بالشدة ويعاكسه بالاتجاه"، ليكون رد الفعل أقل مما يتوقع الفاعل، بما يفضي إلى إضعاف فعل الكراهية وتبدديه، بما يفسح مجالاً لـ "لغة الحب"

المصدر: خاص - داماس بوست - محمود عبد اللطيف

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة