محلي

الأيام: قبل أن يفروا إلى الخارج .. هل تعلن الدولة حرباً ضد أثرياء الحرب ... أم تتبع سياسة الاحتواء وقصقصة الأجنحة ؟

مصدر الصورة: داماس بوست
محلي | داماس بوست

على جثث آلاف القتلى الذين خطفت يد المنون أعمارهم وأضافتها إلى عمر الأزمة، بنوا ثرواتهم القذرة، وعلى حساب ملايين الفقراء والمهمشين، فتحوا حساباتهم البنكية بالعملات الوطنية أو بالدولار. إنهم أثرياء الحرب ومحدثو النعمة، طبقة ظهرت في ظروف استثنائية منفلتة من كل القوانين والدساتير والأخلاق، فكيف سيعيدون بناء أنفسهم ضمن كيان الدولة وناموسها وهم الخارجون عن كل الشرائع، من دون أن يحملوا معهم إرثهم المافيوي الناقض لكل نظام وبناء اجتماعي واقتصادي سليم ومستقر، حتى أنهم بدأوا يستثمرون أموالهم في مشروعات خدمية غير منتجة من أجل الكسب السريع للمال كما اعتادوا، فلا هم بنوا جامعة ولا عمروا مؤسسة علمية، رغم أنهم أكلوا «البيضة وقشرتها». وهنا يطرح مراقبون تساؤلات مشروعة عن كيفية تعامل الدولة الحتمي مع هؤلاء، فهل ستبدأ الحرب على أباطرة الأزمات قبل أن يفروا خارج البلاد بحقائبهم المكدسة بالأموال، أم سيحتوون ضمن خطط مقوننة إلى أن تكسر شوكتهم؟؟

يشكك أعضاء في مجلس الشعب للـ «الأيام» بوجود إرادة حالية لاجتثاث هؤلاء أو مساءلتهم على أقل تقدير، فالظرف ما زال خطراً، و»للعاهرات شعبية» كما يقول نائب برلماني، وما يدعم هذه الفرضية ضعف تعامل الإعلام الرسمي حول الموضوع، فقد سحبت قناة «الإخبارية» السورية لقاءها مع رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية فارس الشهابي عن موقعها الإلكتروني دون أن توضح الأسباب، وكانت القناة استضافت الشهابي عبر الهاتف للحديث عن حملة مديريات الجمارك لمكافحة البضائع المهربة، وأكد الشهابي خلال اللقاء أن الحملة يجب أن تطال من وصفهم بـ «الرؤوس الكبيرة»، وهنا قال الشهابي «الأسماء تعرفها الدولة»، وسمى اسماً بعينه، متهماً إياه بأنه «أحد الذين يفرضون الإتاوات على المعامل، ويحاربون الصناعة الوطنية ويدخلون البضائع عبر المعابر مع مناطق سيطرة الفصائل المسلحة»، كما اتهمه بتخريب بيوت أصحاب البلاستيك في حلب. وللغرابة فإن حلقة الإعادة سحبت من القناة، كما حذفت القناة تسجيل الحلقة من صفحتها على اليوتيوب. ومن ذكره الشهابي، ظهر منذ فترة ضمن قرار صادر عن وزير الداخلية يمنع الجهات التابعة للوزارة من التعامل معه دون أن يوجه اتهاماً مباشراً له أو يطلب اعتقاله.

ثراء على الدماء

يتحدث د. بسام أبو عبد الله (أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دمشق) لـ «الأيام» أن الحرب السورية لم تكن كلاسيكية بهذا المعنى، فهي حرب هجينة تجمع بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية والنفسية، لكن الأكثر ضغطاً على الناس هو الواقع الاقتصادي، ومن الطبيعي أن يظهر في الأزمات أولئك الذي يستغلون هذا الواقع الشاذ وحاجة الناس والدولة للمواد الأساسية، فينشأ من هنا أثرياء الحرب سواء الذين نهبوا أو سلبوا أو ممن استغلوا مواقعهم وخانوها لجني المليارات.

 يوضح د. أبو عبد الله بأن الموضوع ليس بهذه البساطة التي يصورها البعض، لأننا سنجد أنفسنا بعد أن تضع الحرب أوزارها في مواجهة طبقة جديدة تسمى أثرياء الحرب، وهؤلاء في قسم منهم لديهم أموال ضخمة في مقابل ثقافة ضحلة، إذ أن عملية الإثراء على حساب دماء وآلام الناس وأزمات البلاد هو عمل جبان وخسيس، فهناك من ضحى وقدم دماءه وفي ذات الوقت هناك من استغل وجمع المال.

وينصح د. أبو عبد الله  بالتعامل والتعاطي بشكل دقيق وحذر، لأن أثرياء الحرب سيحملون ثقافة معهم، ثقافة استفزاز الشارع من خلال الاستعراض، ذلك أن الكثير منهم إما من معدمي الحال أو ممن لا يملكون ثقافة، كما أنهم سيضعون أموالهم في مجالات ليست منتجة اقتصادياً من أجل مزيد من النهب، وسنجد أنهم اعتادوا على الاستثناء في القانون وبالتالي تجاوز القانون لأن الحالة التي نشؤوا فيها غير قانونية أصلاً.

قوى تخرب الاقتصاد

يحذر د. أبو عبد الله من أن استمرار هؤلاء فيما بعد الحرب سيؤدي إلى سيادة سلوك مافيوي، وهو ما حدث في روسيا مثلاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن ما إن تستعيد الدولة قوتها على الأرض، ستستعيد قوة مؤسساتها ما يضعف الحاجة لهؤلاء مستقبلاً، وكلما فك الحصار الاقتصادي عن البلاد، استعادت المؤسسات الحكومية دورها وخفت الحاجة لأثرياء الحرب، لأن بعضهم كان مكلفاً بتأمين بعض الحاجات الأساسية التي كانت الدولة غير قادرة على القيام بها، في مثل هذه الظروف بسبب الحصار وخروج المناطق عن السيطرة.

ويدعو د. أبو عبد الله الدولة، قبل أن يفر هؤلاء الذين لا وطن ولا انتماء لهم سوى مالهم الذي جنوه، أن تحتويهم وتأخذ جزءاً من أموالهم بالقوة ووضعها في خدمة البلد وخاصة أسر الشهداء والجرحى، وترك جزء آخر ليعمل به هؤلاء من دون أن يخرجوا عن إطار الدولة، لأنهم سيتحولون إلى قوى تخرب الاقتصاد، لأن مصالحهم في استمرار الفوضى والحرب ولن تكون عودة مؤسسات الدولة في مصلحتهم.

أثرياء تجاوزا كل الخطوط الحمراء

يرى د. كمال الجفا (محلل سياسي) أنه في سورية كما في معظم دول العالم التي شهدت حروباً دامية مزقت جبهاتها الداخلية والخارجية، أفرزت الحرب طبقات اجتماعية جديدة لم تكن مألوفة، وأدت إلى تعويم بعض الشخصيات المغمورة التي طفت وترعرعت على دماء ودموع السوريين.

ويعتقد د.الجفا بأن طبقة أمراء الحرب أو ما يعرف بتجار الأزمة أو مصاصي الدماء الذين تجاوزا في إدارة مصالحهم الخاصة كل الخطوط الحمراء والأنظمة والقوانين، باتت أمراً واقعاً فُرض على الدولة السورية.

 ويشدد د. الجفا أن سقوط مساحات واسعة من الجغرافيا السورية بيد المجموعات المسلحة ووقوع بعض الثروات الباطنية الحيوية والمساحات الزراعية الشاسعة ومصادر المياه والطاقة، أفرز أمراً واقعاً بحتمية تعاون الدولة السورية مع هذه المجموعات بعمليات النقل والصيانة والإصلاح والاستجرار، سواء إن كان مواد أولية أو نواتج المحاصيل الزراعية والصناعية والمواد الأولية، وثم نقل هذه المواد إلى مستودعات الدولة الرسمية وإدخالها بطرق نظامية عبر هؤلاء الوكلاء لإدخال نوعاً من القانونية المسماة،  قوننة الأمر الواقع.


وفي معرض كلامه، يقول د. الجفا «كل هؤلاء الوسطاء مع شركات الحماية ومتعهدي المعابر والمهربين وناقلي النفط والغاز والمواد الغذائية وبعض تجار الأزمة الذين استغلوا ظروف المدنيين ومآسيهم، والوسطاء لدى الأجهزة المختصة وتجار العملة والمهربين كانوا طفرة جديدة غير معهودة على المجتمع السوري، جعلت منهم أصحاب رؤوس أموال ومافيات بما يملكه البعض منهم من قوة عسكرية على الأرض، أو داعمين بأموالهم لبعض القوات المقاتلة الرديفة ما ساعدهم على دعم سلطاتهم وتسهيل أمورهم المالية والاقتصادية ومنحهم سلطات أمنية وعسكرية» .

ويستعرض د. الجفا تجارب عالمية في هذا المجال، فكما هو متعارف عليه في كل دول العالم التي شهدت اضطرابات والاتحاد السوفييتي سابقاً نموذج يحتذى به تقوم الدولة تدريجياً بالتضييق على هؤلاء، وقوننة تحركاتهم وتأطير تحركاتهم وشركاتهم وأموالهم كلما اتجهت الأمور نحو السلم، وقويت سلطة الدولة ووسعت نطاق سيطرتها بقوانين وأنظمة إما خاصة بهم أو ضمن شركات مرخصة أصولاً، تخضع لسيطرة ومراقبة المؤسسات السورية وتضييق الخناق على الخارجين على القوانين، وأصحاب السوابق ومرتكبي الجرائم والمخالفات التي تقع تحت بنود تقويض الأمن الوطني أو الاقتصادي، حتى لو كان لديهم أياد بيضاء وخدمات.

ويكمل د. الجفا «لا يمكن للدولة السورية معالجة هذا الوضع الشاذ إلا ضمن خطط عقلانية منطقية، وأن تقوم بحلحلة بعض القضايا أو المخالفات القانونية، وتسوية ما يمكن تسويته من تجاوزات، عبر فرض تسويات مالية أو مصادرات أو قوننة الآليات والسيارات الحديثة وتحويلها إلى الجمارك كمثال على بعض الحالات الخارجة عن القانون مع حفظ حقوق الخزينة، أو أن تقوم بعملية مصادرة لبعض التجهيزات أو الآليات وتحويلها إلى مستودعات الجمارك كسيارات وشاحنات الوقود وسيارات الدفع الرباعي أو حتى السيارات الفاخرة جداً والتي تم إدخالها خلال سنوات الحرب».

مدانون أخلاقياً

يلخص مازن بلال (كاتب سياسي) وجهة نظره بأن إحدى ظواهر الحروب هي إعادة إنتاج شرائح وطبقات اجتماعية، ومصطلح أثرياء الحروب يفرض أمراً واقعاً جديداً يتم تجاهله سريعاً بعد انتهاء الحروب. لذلك لا أحد قادر على التعامل مع هذا الأمر، ومعظم تجارب الدول التي دخلت حروباً لا تحوي محاسبة جدية لهذا الموضوع. ويعتبر بلال بأن الدولة مسؤولة عملياً عن تحقيق العدالة الاجتماعية بعد الحرب، وهذه مهمة أساسية وتشاركية مع باقي القوى المجتمعية، وإن استطاعت الدخول في مثل هذه العملية، فإنها بالفعل ستحد من طغيان رأس المال الموجود بيد أثرياء الحرب. وغالباً ما تخرج الدول منهكة من الحروب، لذلك لن تكون قادرة على إيجاد ظروف محاسبة جماعية لكل الأثرياء خلال الحرب، وهؤلاء في المقابل هم مدانون أخلاقياً وليس قانونياً، لعدم وجود أدلة قطعية ضدهم. «أثرياء الحرب سيدخلون ضمن الدورة الاقتصادية للبلاد، وعلينا بكل واقعية استيعاب أن الحروب تفرض قوانينها». كما يقول بلال.

بانتظار عودة هيبة الدولة

من جهته، يرى أنس جودة (رئيس حركة البناء الوطنية) أن مصطلح أثرياء الحرب لا يحمل تحديداً واضحاً، ويطلق على الطبقة التي استطاعت مراكمة الأموال بالاستفادة من فترات الحروب والحاجة للمواد وهذا المصطلح لا يميز بين من استطاع أن يقوم بأعمال فيها مجازفة عالية ولكن ضمن القانون، وبين حالات الفساد والتهريب و صرف النفوذ واحتكار السلع والتعامل مع المجموعات المسلحة. لهذا فنحن أمام حالتين مختلفتين: الأولى تتعلق باستثمار الأموال المجمعة بعد الحرب والثانية تتعلق بمحاربة الفساد ومكافحة اقتصاد الحرب الأسود. لكن جودة يدعو إلى الحكمة في التعاطي، «لا يجوز رفع سيف محاكم التفتيش وقتال كل من جمع مالاً مما يؤدي لخوف رؤوس الأموال من الاستثمار في وقت نحن أحوج ما نكون لعودة وتوطين رأس المال الوطني»، لكنه يؤكد أيضاً بأنه لا يجوز مطلقاً أن تكون الدولة ساهية عن تجار الحرب والدم، وأن تترك من أفسد واحتكر وهرَب المواد بحجة الحاجة لرؤوس الأموال، فمن دون بسط سلطة القانون وهيبة الدولة وضرب الفساد فلا استثمار ولا استقرار ولا تنمية، بل عودة إلى تفعيل الأسباب الأساسية اللازمة السورية المتمثلة بالاحتكار والسيطرة على السوق وتجميع رؤوس الأموال بأيدي قلة لا تهتم لحاجات الشرائح المجتمعية الواسعة.

إن محاسبة أثرياء الحرب أو قوننة أعمالهم ضمن إطار الدولة وتجريدهم من فكر المافيات، خياران أحلاهما مر، فلا خطة واضحة للتعامل معهم في الأفق القريب، رغم الأحاديث المعلنة عن مكافحة التهريب.

المصدر: الأيام - محمد الواوي

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة