خاص

"الذكية" تنعش "السوداء".. مواطنون خضعوا للمقايضة وسائقي النقل العام يشتكون من "القلة"

خاص | داماس بوست

يتخوف "أبو عمار" من مسألة البطاقة الذكية، فهي بالنسبة له مجهول لا يمكن الوثوق به، وهو يقول في حديثه لـ "داماس بوست"، أن الخطوات التي تتخذها الوزارات والمؤسسات الحكومية في الآونة الأخيرة تفيد تجار السوق السوداء أكثر من غيرهم، فكيف سيضمن أنه سيحصل على 800 ليتر لسيارة التكسي التي يعتاش منها إن كان لا يعرف ما يكتب له في الوصل، ثم إن إمكانية الوصول إلى مساومة تفضي إلى تخليه على جزء من حصته الشهرية لصالح المحطات مقابل الحصول على البنزين ليؤمن لقمة عيشه قد تحضر، وبالتالي سيكون ملزما في نهاية الأمر بأن يكون واحداً من زبائن السوق السوداء ليملء خزان سيارته بما يمكنه من العمل.

التسعيرة في مهب السوداء"
يتابع "أبو عمار" حديثه لـ "داماس بوست": "الحصول على 800 ليتر شهرياً لسيارة التكسي يعني أن الحصة اليومية 26 ليتراً يومياً، وهي لا تكفي للعمل بنظام ورديتين للسيارة، فإما العمل في النهار أو العمل في الليل، وبالتالي سيكون عليه أو على أخيه الذي يعمل على السيارة في فترة الليل أن يجد حلاً للبنزين أو أن يصبح عاطلاً عن العمل"، ويوضح بالقول: "سيارة التكسي لا يمكن تحديد مسافة أو عدد ساعات عمل لها، لأن هذه المهنة مرهونة بالاستمرار بالقيادة لساعات طويلة وبالتالي فإن السيارة تحتاج لكميات من البنزين لا يمكن حصرها بكمية يومية".
ولا يختلف الأمر بالنسبة لـ "أبو مهران" الذي يرى بأنه بات ملزما برفض الطلبات إلى خارج العاصمة او أن يضاعف السعر مرتين على الأقل، لأن كمية البنزين التي سيصرفها في المسافة من وإلى الحدود مع لبنان مثلاً هي ما يعادل نصف مخصصاته اليومية، وإن اضطر للحصول على بنزين من السوق السوداء بسعر 300 ليرة سورية على الأقل لليتر الواحد، فإن ذلك يعني ضرورة رفع الأجرة، وهذا ما لا يرضي الزبون ويرفع من نسبة تعرض السائق للمخالفة القانونية بـ "رفع التسعيرة".
"يشتكي سائقو التكسي أصلاً من ارتفاع أسعار البنزين وقطع التبديل، وهم أصلاً لا ينضبطون بتسعيرة أو قانون، فكيف سيكون الأمر مع تحديد كميات البنزين وإعطائهم سببا جديداً لرفع أسعارهم"، بهذا الكلام يحذر "محمد" البالغ من العمر 22 عاماً من المخاطر غير المحسوبة لاستخدام "البطاقة الذكية" في سورية وإلزام السائقين بها، ويتابع بالقول: "قد يكون من وجهة نظر الوزارات بإن هذه الخطوة تحد من احتمالات تهريب البنزين إلى السوق السوداء ومنها إلى دول الجوار التي يصب فرق أسعار المحروقات فيها لصالح المهربين، لكن الوزارات مطالبة بوضع خطط رقابية وعقوبات صارمة للمتلاعبين قبل تطبيق الخطوة، لا أن تجعل من خطواتها مثار خوف لدى المواطن البسيط".

"نص إلك ونص إلي"
يؤكد "أيهم"، بأن أحد الصهاريج التي تقوم بتوزيع مادة "المازوت"، رفض أن يعطيها كامل حصته، ويؤكد أن الموزع عرض عليه بأن يحصل على نصف الكمية بالسعر النظامي، مقابل أن يسمح له بـ "تخريج" كامل الكمية من البطاقة، بمعنى "نص إلك ونص إلي"، وبهذه الطريقة يصبح لدى الموزع كمية 100 ليتر مازوت معدة للبيع في السوق السوداء، ولا تفيد الشكوى في مثل هذه الحالة، فالموزع ضمن قانونية الحصول على الكمية من خلال "تخريجها" بشكل قانوني من بطاقة الزبون، والأخير مجبر على القبول، "فنصف الكمية بسعر نظامي أفضل من اللاشيء"، وفقاً لما يقوله أيهم.
الأمر ذاته يجري في عدد من الأحياء في العاصمة السورية، وإن كان "ماهر" قد حصل على كامل مخصصاته بالسعر النظامي من خلال البطاقة، إلا أنه يؤكد في حديثه لـ "داماس بوست "، أن أخوه الأكبر اضطر للتخلي عن جزء من مخصصات بطاقته الذكية الخاصة بالحصول على "مازوت التدفئة"، ليتمكن من التعبئة من أحد الموزعين عبر الصهاريج، فالمقارنة بين البرد والتخلي عن جزء من المخصصات صبت في مصلح الموزع الذي سيعمل بالتأكيد على منح هذه الكمية لأحد تجار السوق السوداء.
فيما يجد مصطفى الذي مازال طالبا في كلية الحقوق أنه لن يفكر كثيرا في حال تعرضه لذات المقايضة، ويعتبر أن "التقدم بشكوى أفضل بكثير من الرضوخ للتجار والمشاركة بما يرتكبوه من أفعال مسيئة للمواطن السوري"، لكنه في نفس الوقت يتمنى أن يكون ثمة دور رقابي أكبر من قبل الجهات المختصة عن ملاحقة تطبيق العمل بـ "البطاقة الذكية"، لتأمين المواطن السوري من سرقة أبسط حقوقه.

ناقصنا عجقة..؟"

تقول "جودي" التي تسكن في منطقة "ضاحية الأسد" شرق العاصمة السورية، إن الحافلات الصغيرة التي تعمل على خط الضاحية قليلة أصلاً، وأغلب هذه الحافلات يقف عن العمل لساعات طويلة من النهار لأنه لا يمتلك القدرة على الحصول على مادة "المازوت"، وإن حصل عليها بسعر عال فهو مضطر لرفع السعر، وتعتقد الطالبة في كلية الإعلام بإن قرار تطبيق العمل بـ "البطاقة الذكية" سيكون حجة لرفع تسعيرة النقل وازدياد عدد الحافلات المتوقفة عن العمل، وبالتالي زيادة فعلية بالازدحام بالركاب التي تشهده منطقة "كراجات العباسيين".
ويؤكد فؤاد على فكرة زميلته، ويقول: "أقف ساعات أحيانا للحصول على مقعد في السرفيس لأصل من جديدة عرطوز إلى كليتي على أتستراد المزة، الآن من الحتمي إني سأضطر للوقوف لوقت أطول لأن عدد الحافلات سيقل بسبب شكوى السائقين من صعوبة تأمين المحروقات، أو أن اخضع لمزاجية التسعيرة التي يريدونها لأصل إلى قاعة المحاضرات أو الامتحانات في الوقت المناسب".
الأمر بالنسبة لـ "موسى" رهين العقلية الإدارية التي يجب أن تكون متكاملة ما بين الجهات المختصة، فعلى المرور أن تلاحق موضوع التسعيرة، وعلى التموين أن يلاحق مسألة التوزيع العادل للمخصصات، وعلى مديرية المحروقات أن تعيد النظر في مسألة المخصصات، فإن كان السائق لا يعتبر أن الكمية كافية ليعمل بشكل طبيعي وبالدوام الذي يراه مناسباً، فليتم رفع كمية هذه المخصصات من باب سد الذرائع"، كما يؤكد الشاب الذي يعمل على إحدى الحافلات كسائق بأن "الجهات الأمنية المختصة بملاحقة البيع في السوق السوداء مطالبة في المرحلة القادمة بتكثيف جهودها لإغلاق الباب على من يريد أن يتلاعب بلقمة عيش المواطن ودفئه".

المصدر: خاص - داماس بوست - محمود عبد اللطيف

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها