وجهات نظر

المشهد الاقتصادي السوري في نهاية 2018: الكلمة العليا للفساد!!

وجهات نظر | داماس بوست

مع رحيل 2018 فإن المشهد الاقتصادي السوري يبدو ملبدا بالقضايا الشائكة والمتداخلة والمشاكل المزمنة، وأهم ما يتضمنه المشهد ما يلي: استمرار انكماش الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بسنوات ما قبل الحرب، وسعر صرف الليرة السورية الذي وصل إلى حاجز الــ 500 ل.س للدولار، وما نجم عنه من تدني القدرة الشرائية لدخل المواطن، الذي جعل الغالبية العظمى من السوريين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الضرورية جدا، فبعد أن كان معدل الرواتب بحدود 245 دولارا أمريكيا في عام 2007، لا يتجاوز ما يعادل الـ 75 دولارا في نهاية 2018، وبالتالي فإن انخفاض معدلات الرواتب وارتفاع نسب البطالة التي تجاوزت 53%، جعل نسبة الفقراء في سورية تزيد عن الــ 78% من عدد السكان بحسب كل التصنيفات الدولية لخط الفقر. إن ما سبق يعدّ جزءا من المشكلات الصعبة وليس كلها. 

على الرغم من كل التصريحات والشعارات لمحاربة الفساد، مازال ينتشر بكل أشكاله وتصنيفاته في مفاصل الدولة ومؤسساتها، واحتلت سورية المرتبة الثالثة عالميا في مؤشر الفساد لعام 2017، ومع أن الكثيرين يعتقدون، بأن التصنيفات الدولية عادةً مسيسة وغير حيادية، لا يمكن القول إن تلك التقارير مجافية للحقيقة تماما، ومعروف أن معالجة الفساد تحتاج لاتخاذ إجراءات جذرية عديدة، أولها: سيادة القانون على الجميع من دون تمييز... ومن ثم زيادة رواتب الموظفين بشكل حقيقي، تمكنهم من تلبية احتياجاتهم الأساسية، وليس كميا حتى لا يلتهمها التضخم... وتقليل الاحتكاك بين الموظف والمواطن طالب الخدمة، والاعتماد على الأتمتة والتقنيات الحديثة في تقديم الخدمات للمواطنين.
وتؤكد الدراسات، بأن تأثيرات الفساد السلبية لا تنحصر بالجوانب الأخلاقية والقانونية، بل تشمل بيئة الأعمال والقدرة على المنافسة ونجاح المشاريع وجدواها الاقتصادية. ومن البديهي، أن الفساد الحكومي يعدّ السبب الرئيسي والمباشر، لحرمان الخزينة العامة للدولة من نسبة كبيرة من إيراداتها الأساسية، وخصوصا في العمل المالي والضريبي والجمركي، حيث يساعد الفساد على التهرب الضريبي، وعلى إدخال السلع برسوم جمركية قليلة أو تهريبها، وتحاول الجمارك مداهمة المحلات وتفتيشها وفتح منفذ آخر للرشاوى بدلا من ضبط الحدود. 
يبقى الفشل والتخبط الحكومي سيد الموقف، بين تصريحات نارية وتبريرات ووعود لا يمكن تنفيذها، لعدم وجود متطلبات التنفيذ أو افتقاد الإرادة الجدية لإيجاد الحلول الحقيقية والجذرية وليس الترقيعية، ولا يمكن للناس فهم عدم قدرة الحكومة على حل المشاكل المزمنة، إلا بنقص الكفاءة في مستويات الإدارة العليا، أو غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة، كما أن عدم شفافية الحكومة، وتقديمها الأجوبة الواضحة والمقنعة على الأسئلة الكثيرة المتداولة، يفسر الشك في قرارات الحكومة حتى الجيدة منها، إذ إن الغموض هو مثير الشك الأول، مثلا: كيف يستطيع المواطن العادي تفسير، قيام الحكومة بالسماح بتجميع السيارات بشكل وهمي لتجار معينين، هذا القرار اعتبره الكثيرون، مساعدة من الحكومة لبعض التجار، بالالتفاف على قرار حظر استيراد السيارات، مع أن الحكومة بررته آنذاك بأن الغاية منه هي الحد من الطلب على الدولار، وإن كانت نتيجة هذا القرار تعاظم أرباح التجار الذين استفادوا من التجميع، في حين حصل تشوه كبير في أسعار سوق السيارات. قرار آخر للحكومة لم يستطع الناس فهمه! هو بيع خردة الحديد وأنقاض المباني المدمرة لأصحاب بعض المعامل، بسعر بخس من دون غيرهم، بينما يتكرر الحديث عن العدالة وعدم المحاباة.
إن المشكلة الأساسية التي يواجهها المنتجون والصناعيون اليوم، تتمثل في عدم قدرتهم على المنافسة في ظل رعاية حكومية بقصد، أو عن غير قصد للاحتكارات بأشكالها المختلفة، وفي نفس الوقت، لم يسجل المشهد السوري قرارات ناجحة ومؤثرة، لإعادة إطلاق عجلة الإنتاج المحلي، الذي يعدّ الأساس في النمو وفي تحسن سعر الليرة، بسبب انعكاسه المباشر على الناتج المحلي الإجمالي، ولاسيما تسهيل شروط الترخيص والموافقات الإدارية والحصول على التمويل المناسب للمنشآت الصناعية.
القطاع الزراعي، الذي كان يسهم بنسبة 26% من الناتج الاجمالي في عام 2010، ويشكل المشتغلون بالزراعة نسبة بحدود 20% من قوة العمل، اليوم في نهاية 2018 ينخفض إسهام هذا القطاع إلى نسبة 12% من إجمالي الناتج الإجمالي المحلي، ومما فاقم خسائر المزارعين، وأثّر سلبيا على المنتجات الزراعية، رفع أسعار المحروقات والبذار والأسمدة، وضعف عملية التسويق والترويج للمنتجات الزراعية، التي تباع من دون قيم مضافة تذكر، وضعف الالتزام بالمواصفات القياسية الدولية، التي تمكّنها من المنافسة.
إن المشهد الاقتصادي في نهاية 2018، يبدوضبابيا، إذ يرصد المتابعون تحول الاقتصاد السوري إلى الخدمات والريعية مثل (الاتصالات، الخدمات المالية، السياحة) بدلا من الإنتاج الزراعي والصناعي أوما يسمى الاقتصاد الحقيقي. إن الكثير من القرارات الحكومية والفرص الإيجابية التي أتاحها انتهاء الحرب، أحبطها الفساد وظهور طبقة جديدة من الحيتان والمستفيدين من التحولات الاقتصادية التي تشهدها سورية، حيث تمكنوا من تجيير معظم القرارات لمصلحتهم، وساعدهم في ذلك الفساد المنتشر في مفاصل الدولة ومؤسساتها، وبفضل التهريب استطاعوا إغراق الأسواق بالبضائع التركية أوالصينية التي خضعت لحظر الاستيراد.
أخيرا، إن الحديث عن إعادة الإعمار، في ظل الفساد والفقر والفشل في حماية وتشجيع الإنتاج الوطني، مجرد أحلام ليس إلا!

لمياء عاصي - الأيام

المصدر: لمياء عاصي - الأيام

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة