وجهات نظر

البشير في دمشق.. ماذا في الدلالات..؟

وجهات نظر | داماس بوست

يعرف الرئيس السوداني "عمر حسن البشير" بقربه من الحكومة السعودية، ولا يمكن أن تكون زيارته إلى العاصمة السورية بدون مشاورات مباشرة مع الرياض، ولعله ليس من المبالغة بمكان القول أن هذه الزيارة جاءت بطلب من المنظومة الخليجية فيما عدا قطر، للتباحث في جملة من التفاصيل التي تتعلق أولاً بإعادة تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية بعد سنوات من القطيعة العربية.

إن كانت الملفات أو الرسائل التي سيحملها "البشير" القادم من الخرطوم ذات شكل سياسي، إلا أنها ستركز على الشقين الاقتصادي والأمني، على إن الاقتصاد والاستثمار الخليجي في عملية إعادة إعمار سورية ستكون في أولوية الملفات، وسيكون انعكاس إيجابية الزيارة من خلال البدء بخطوات سياسية واضحة من قبل المنظومة الخليجية فيما عدا النظام القطري، بمعنى أن يكون افتتاح السفارات وعودة الممثليات الدبلوماسية للدول العربية إلى دمشق، إضافة لدعوة الحكومة السورية بشكل رسمي لحضور القمة العربية القادمة، ناهيك عن زيارات قد تتوالي من قبل رؤساء الأنظمة العربية، ولعل الترشيحات هنا تشير إلى أن يكون الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" هو الشخصية الأبرز التي ستزور دمشق خلال المرحلة القادمة.
لا يمكن أن تمانع دمشق من إقامة علاقة دبلوماسية مع الدول العربية إن قبلت هذه الدول بجملة من الشروط التي ستفرضها دمشق، وهذه الشروط ستكون متعلقة بالعقوبات العربية المفروضة على الاقتصاد السوري، إضافة إلى ملفات تتعلق بالواقع الأمني في البلاد، وأولها تقديم العرب لضمانات يتم من خلالها تغذية الأزمة في سورية على المستوى العسكري، وقطع الدعم عن الكيانات المعارضة المشكلة في الخارج كـ "الائتلاف" وغيره من التكتلات التي ظهرت بتمويل من الخليجيين، والضغط على هذه التكتلات بقبول شروط التسوية السياسية المتفق مع منطق الحدث في سورية، إذ لا يمكن للطرف الضعيف والمنهزم على المستويين العسكري والسياسي أن يستمر في فرض الشروط على المنتصر، فالمنطق لا يقبل بمثل هذه التسوية.
مسائل السياسية الداخلية في سورية ككتابة دستور جديد وإقامة انتخابات لن تكون مسائل قابلة للنقاش من قبل دمشق مع المنظومة الخليجية تحديداً، ذلك لأن هذه المنظومة أصلا عبارة عن مجموعة من الكيانات التنفيذية لجملة من القواعد التي تفرضها دول المحور الأمريكي في الشرق الأوسط، وهنا لابد من الوقوف على إن الخليجيين لن يذهبوا نحو تطبيع العلاقات مع دمشق دون ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية، التي يبدو أنها تتجه لترجمة توافقاتها مع موسكو فيما يخص الملف السوري على أرض الواقع، وهنا لابد من التمييز بين الواقع العسكري المعاش في مناطق شمال شرق سورية، والذي تريده الإدارة الأمريكية معقداً لأطول فترة ممكنة باستخدام ورقة "قوات سورية الديمقراطية" لتأمين مكتسباتها الاقتصادية المتعلقة بملف الحقول النفطية والغازية، عن ملف الاعتراف بشرعية الحكومة في دمشق، ولعل واشنطن بحاجة للاعتراف بهذه الشرعية أكثر من غيرها في المرحلة الحالية، لتأمين حالة من الكباش السياسي بين "دمشق" و "قسد" يفضي أخيراً إلى تسوية تضمن موقفا قانونيا للاستثمارات النفطية الأمريكية التي كانت موجودة في منطقة شرق الفرات قبل الحرب، عبر مجموعة من الشركات كـ "بكتن" الأمريكية، و "توتال" الفرنسية.
الخروج من الحرب السورية بات ضرورة لكل الأطراف المتدخلة في هذا الملف، الأمر الذي يدفع الدول نحو التحرك لإعلان الاعتراف بانتصار الحكومة السورية في الحرب التي فرضت عليها، على أن "دمشق" التي لا يبدو أنها مستعجلة لإقامة العلاقات المباشرة مع الدول الخليجية، وهنا لا بد من التمييز جدياً بين إعادة العلاقات على مستوى الشكل الأمر الذي لن تحتاجه الحكومة السورية نهائيا، وإعادة العلاقات بشكل واقعي بما يؤدي إلى التعجيل بإنهاء الملف السوري على المستوى السياسي خلال أشهر قليلة، بما سيؤدي حتما إلى إنهاء الملف ميدانياً بأسرع وقت ممكن.

المصدر: داماس بوست - محمود عبد اللطيف

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها