وجهات نظر

‘‘الكورنيت‘‘ يقلب المعادلة في غزة

وجهات نظر | داماس بوست

دخلت غزة في اتفاق لوقف إطلاق النار بانتظار وصول الوفد المصري إلى الأراضي الفلسطيني المحتلة ليكون وسيطاً في عملية تفاوض جديدة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وحكومة الكيان الإسرائيلي، ويبدو أن المعادلة العسكرية في القطاع المحاصر تبدلت بشكل جذري بعد عملية تدمير أحد الحافلات العسكرية بواسطة صاروخ موجه من طراز "كورنيت" الروسي الصنع والذي خبرته القوات الإسرائيلية في الحرب التي شنتها على جنوب لبنان في تموز من العام 2006.

مجاهرة الفصائل الفلسطينية باستخدام هذا النوع من الصواريخ الذي يعتبر من منظومة الصواريخ المضادة للدبابات الروسية الصنع، ستدفع حكومة الكيان الإسرائيلية للبحث عن طرق وصول هذا النوع المتطور من الأسلحة إلى أيدي الفصائل المنشرة في القطاع المفترض حصاره، خاصة وإن "تل أبيب" عملت خلال السنوات الماضية على الاستفادة من تبدل الحكومات المصرية ليتم تدمير الأنفاق التي تربط القطاع بأراضي شبه جزيرة سيناء، كما عملت على تسيير دوريات مكثفة قبالة الشواطئ الفلسطينية لمنع وصول الأسلحة، إلا أن الأمر لم يفلح، وبالربط بين وجود هذا النوع من الصواريخ بحوزة المقاومة الإسلامية في لبنان ممثلة بـ "حزب الله" من جهة، ووجودها بحوزة المقاومة الفلسطينية في داخل القطاع، فإن النتيجة تعني بالضرورة أن الأمين العام لحزب الله السيد "حسن نصر الله" أوفى بكامل وعوده باستمرار التعاون مع فصائل الداخل الفلسطيني، وهذا يعني بالضرورة إن الدعم المقدم من أقطاب "محور المقاومة" مازال مستمراً برغم التشديد الأمني الإسرائيلي على الكثير من النقاط.

يعكس وصول صواريخ "الكورنيت" إلى القطاع، واقع المواجهة الاستخبارية بين الدول الداعمة للفصائل الفلسطينية والمخابرات الإسرائيلية، إذ إن استمرارية وصول السلاح إلى غزة تعني بالضرورة أن كل من دمشق وطهران وحزب الله يعملون بشكل مستمر على تبديل الخطة الاستخبارية الضامنة لوصول السلاح إلى أيدي المقاومين، وهذا يضع إسرائيل أمام جدية عمل "الموساد" في رصد تحركات الخلايا المكلفة بعملية نقل السلاح من المصدر إلى الداخل الفلسطيني، وهذا يفرض بالضرورة السؤال الذي يبحث عن جدوى الحصار الذي تفرضه قوات الاحتلال على قطاع غزة.

في العلم العسكري، لم تعد عملية الزحف البرّي باتجاه مناطق غزة مسألة سهلة، فالدبابة "ميركافا" التي تروج لها "تل أبيب" على إنها الدبابة الأقوى في العالم، كانت قد أذلت في حرب تموز حينما تمكنت المقاومة اللبنانية من تدمير عدد كبير منها على الرغم من السماكة العالية للتدريع الفعال الذي يحيط بها والمصنوع من مادة "الفولاذ"، وإن كانت فصائل المقاومة الفلسطينية لم تستخدم هذا النوع من الصواريخ في أي مناسبة عسكرية سابقة، فإن ذلك إنها امتلكت هذه الصواريخ حديث، فكيف وأين تمت عملية تدريب الأطقم البشرية التي تعمل على هذه المنظومة.

في العمليات ذات الطابع المخابراتي أيضا، تأتي عملية "العلم المتفجر" التي كشفت عنها فصائل المقاومة، والتي كشفت أيضا عن عجز أجهزة سلاح الهندسة الإسرائيلية عن كشف وجود المواد المتفجرة التي زرعت في ساري العلم، قبل أن يتم تفجيرها عن بعد لتودي العملية بحياة 6 من جنود الاحتلال الذي يعتاد التكتم عن خسائره في المواجهة مع الفصائل الفلسطينية بغية الحفاظ على ما يسميه بـ "صمود الجبهة الداخلية"، علما إنها مهزوزة بشكل كبير، والمستوطن الإسرائيلي لا يحس بالانتماء للدولة التي تحاول تقديم أعلى مستوى من الخدمات لجذبه للبقاء وعدم العودة إلى وطنه الأم، وعلى ذلك يمكن التنبؤ بمزيد من العمليات من هذا الطابع وربما في داخل العمق المحتل إذا ما استمرت المواجهة العسكرية وقررت تل أبيب الاستمرار في نهجها العدواني، وفي الموازين العسكرية، يمكن مقابلة سلاح الجو الإسرائيلي بـ "سلاح الأنفاق الفلسطيني"، وبات من المنطقي مقابلة الـ "ميركافا" الإسرائيلية بـ "الكورنيت الفلسطيني"، ولابد من التذكير أن الفصائل الفلسطيني حينما هزت المستوطنات الإسرائيلية في العام 2014 على الهواء مباشرة بصواريخها، كانت عناوين الأخبار تقول بأن الفلسطينيين استخدموا صواريخ من صناعة سورية، في إشارة حينها إلى فعالية التدريب السوري ونقل الصناعة العسكرية السورية إلى الداخل الفلسطيني من خلال تدريب من يلزم تدريبه لانتاج هذه الصواريخ البعيدة والقصيرة المدى، أمام فشل كبير سجل وما زال يسجل لمنظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المعروفة بـ "القبة الحديدية".

لا يأتي التركيز على التطور الاستخباري والعسكري من باب المبالغة في قوة الفصائل الفلسطينية، بل يأتي مبنياً على أساس الواقع الذي يلمس من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية كلما كشف النقاب عن مقتل جندي إسرائيلي واحد، فأهم ما تجيد الفصائل الفلسطينية عمله في مثل هذه الحرب هو "الدعاية" وإنتاج فيديوهات تؤثر سلباً على معنويات المستوطن الإسرائيلي، وهذه الفيديوهات قادرة على إيصال الرسالة على ما يبدو برغم أن وسائل الإعلام العربية وخاصة الخليجية منها، مشغولة بالحروب السياسية بين مشيخات الخليج التي تتبارى للتطبيع مع "تل أبيب".

المصدر: داماس بوست

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها