وجهات نظر

هل نحن مواطنون حقاً؟

وجهات نظر | داماس بوست

قلما نسمع أحداً يصفنا بالمواطنين إلا في إحدى حالتين: إما الأصدقاء حين يسخرون فينادوننا بـ ”يا مواطن”، أو السلطة حين تخبرنا بأننا سنعاقب إن لم نفعل أمراً ما، فتقول “أخي المواطن ”!

لكن أغلبنا، على كل حال، يفتقد إلى معرفة حقيقية بما يعنيه كونه “مواطناً”، فلا المدرسة علمتنا مفهوم المواطنة، ولا العائلة تعرف أو تهتم لتعلمنا، ولا هي جزء من الثقافة العامة، ولا الإعلام اهتم يوماً، ولا حتى الأحزاب، جميع الأحزاب، عملت على التوعية به.
فإذا كنا لا نعرف أصلاً ما تعنيه هذه الصفة، فكيف سنعرف إن كنا مواطنين حقاً أم لا؟ وكيف سنفكر إن كان من حقنا أن نطالب بأمر ما، أو نرفض أمراً آخر... لأننا “مواطنون”؟
كيف سنعرف إن كان أعضاء مجلس الشعب، مثلاً، يمثلون “المواطنين” أم شيئاً آخر؟ كيف سنعرف إن كان من حقنا إقامة دعوى قضائية ضد وزير في محكمة مدنية أم لا؟
النتيجة بسيطة: ما دمنا لا نعرف ما هي المواطنة، وبالتالي لا نعرف ما ترتبه من حقوق وواجبات، فإننا لن نكون إلا كما كنا منذ نشأة سورية “دولة مستقلة ذات سيادة”: خاضعين لما يفرضه الآخرون الذين يمتلكون السلطة؛ سلطة الحكم، أو سلطة المال، أو سلطة الدين.
لا يكفي أن تحمل جنسية بلد لكي تكون “مواطناً”! رغم أنها شرط أساسي. ففي نظام الأبارتيد العنصري سابقاً في جنوب إفريقيا كان أغلب السكان ليسوا “مواطنين”، ذوو البشرة البيضاء كانوا مواطنين، والباقون محرومون من أغلب حقوق البيض، وتترتب عليهم واجبات أضعاف البيض! وفي شبه جزيرة العرب حيث تحكم ملكية هي الأكثر تخلفاً في العالم، لا يمكنك أن تصف النساء بأنهن “مواطنات” رغم كل الضجيج مؤخراً بعد الإفراج عن حق بسيط صغير هو قيادة السيارة! فالنساء هن “ملكيات” خاصة للذكور!.. تقوم المواطنة أولاً على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع من يحمل جنسية بلد ما. من دون أي تمييز على أساس لون البشرة أو الأصل العرقي أو الجنس أو الدين أو الاعتقاد السياسي أو...
ولا يمكن القول بوجود المواطَنة عندما يوجد أي نوع من التمييز سوى نوعين:
الأول: التمييز الإيجابي الذي تستحقه الفئات المهمشة؛ وهو تمييز يجب أن يكون مؤقتاً (مؤقتاً قد تعني عشرات السنين) لتمكين هذه الفئات، مثل النساء والمعوقين والشباب.
الثاني: التمييز في الكفاءة؛ فالكفاءة لشغل مهمة ما، أو القيام بأمر ما، هو تمييز في جوهره، لكنه يقوم على أساس إثباته لقدرته على القيام بأمر ما، ولا يقوم على أي معطى “مسبق”.
الحقوق والواجبات، عبارة نعرفها جميعنا، ونقر بها جميعنا. لكن الأمر يختلف عندما نتحدث عن “المساواة” في هذه الحقوق والواجبات!
ولا يختلف الأمر حين يكون التمييز في الحقوق، أو في الواجبات، أو في كليهما. ففي الواقع كلما حدث التمييز في الواجبات، ارتبط حكماً بالتمييز في الحقوق. وهذا أمر طبيعي ويظهر بوضوح حين الحديث عن حق النساء بالمساواة، إذ جميع من يعارض هذا الأمر يحتجج بـ ”لكن واجباتها تختلف عن واجبات الرجل!”
بالطبع، حين تضع واجبات مختلفة للناس، سواء على أساس الجنس أو الدين أو القومية، فأن تفرض التجنيد الإجباري على الرجال دون النساء، كواجب، يفترض أن تحرمهن من حقوق! وأن تحرم فئة من واجب ما بسبب أصلها القومي يعني بالطبع أن تحرمها من حق ما.
وفي سورية، حيث حرم السوريون الذين يدينون باليهودية من تبوء المناصب الرسمية بسبب عميل صهيوني! وحيث حرم الآلاف من السوريين الكرد بسبب “إحصاء” قومي عنصري! وحيث تحرم النساء من أغلب الحقوق الممنوحة للرجال في كل ما يتعلق بالأسرة (زواج، طلاق، وصاية، ولاية...) من الصعب الحديث عن “المواطنة”!
كذلك الأمر فيما يخص المشاركة في القرار؛ فحتى اليوم، ورغم إزالة المادة الثامنة المشينة من الدستور، ما زالت بعض القوانين وتعليماتها التنفيذية مفصلة، لتمنح حزب البعث العربي الاشتراكي (الحاكم فعلياً) السلطة، ليمنح حقوقاً لأتباعه يحرم منها غيره إلا بموافقته، مثل جميع الهيئات القيادية في النقابات والاتحادات.
بالطبع، يمكن التذرع بآلاف العبارات التي أتخمنا بها عبر العقود الماضية عن “المشاركة الشعبية” و”ديموقراطيتنا” الخاصة... إلى جانب “المجتمع غير الناضج” و”المؤامرة الكونية”... التي لا تستحق أي رد أو دحض، فقد ردت الحرب السورية-السورية المستمرة منذ 2011، والتي حصدت مئات آلاف الأرواح، وهجّرت ودمّرت ما هجرت ودمرت، على هذه الذرائع، وأثبتت أن مجتمعاً لا يتمتع بالمواطنة الحقة هو مجتمع سينهار يوماً ما، وستنفجر فيه الاختلافات التي تتراكم لأن الناس ليسوا، في الواقع، متساوين في الحقوق والواجبات.
يحلو للبعض دائماً أن ينظر إلى الوراء، لمن هم خلفه بمسافات، ليقارن نفسه بهم ويقول: أنا بخير! لكن تلك الطريقة البائسة لم تعد تقنع أحداً. فقد كنا وما نزال في حال أفضل من “الصومال” مثلا! وكنا وما نزال أفضل حالاً في المواطنة من جميع كيانات شبه جزيرة العرب! فهل هذا مصدر “فخر”!
ما زال الحديث قاصراً للإجابة عن السؤال في العنوان، فلا بد من تناول الدستور الذي نعيش في ظله، والذي يفترض أن يكون المحدد الأساسي للمواطنة حقوقاً واجبات. 

المصدر: بسام القاضي - الأيام

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة