وجهات نظر

رغم إسقاط الطائرة الروسية .. ستظل "اسرائيل" خارج الغرفة!

وجهات نظر | داماس بوست

يقول وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تعليقاً على إسقاط الطائرة الروسية بنيرانٍ سورية، “أنّ هذا الحادث يؤكد ضرورة أن تتوقف إيران عن توريد أسلحة خطرة عبر سوريا”، وعبر سوريا أي إلى حزب الله، رغم أنّ إيران غير مضطرة لتوريد الأسلحة الخطرة للحزب عبر سوريا، حيث تعتبر قوى الرابع عشر من آذار ومن يدعمها إقليمياً، أنّ حزب الله يحتل مطار بيروت بغرض تحويله إلى منفذٍ للسلاح الإيراني الخطر، وإعمال الجهد في تفنيد هذه الروايات هو نوعٌ من العبث، وهو جهد من يملك فائضاً من أوقات الفراغ، لكن لا ضير من الاستماع لهذه التصريحات بين الحين والآخر للتدليل على أنّ العداء الأمريكي لهذه المنطقة هو الأصل، وكما كان يقول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، “لا توجد سياسة أمريكية في منطقتنا، بل سياسة إسرائيلية تنفذها الولايات المتحدة”، فمن دلائل أننا نعيش في الزمن العربي الردئ، أننا نحتاج لأدلة وبراهين على أصالة العداء الأمريكي وأصوليته.

ولكن حين نرى أنّ العداء لـ”إسرائيل” أصبح يحتاج لشواهدٍ عربياً، فحريٌ بنا أن نجعل من الولايات المتحدة قديساً  بيديه صراط الجنة، حيث يعاني الوعي العربي تحت وطأة إعلامٍ نفطيٍ مضّل، لا يسمح له بالتقاط الأنفاس لتأمل هاويته، ولكن العزاء الوحيد هو ذلك المحور الذي لا زال يتصدى لهذا الطوفان، أقله سياسياً وعسكرياً، فنحن نشهد مع كل عدوانٍ “إسرائيلي” على سوريا بهجةً وحبوراً تجتاح ذلك الوعي المنهك، وآخرها كان العدوان على اللاذقية، ولم ينتبه أصحاب هذا الوعي أنّ ما حدث هو نسفٌ للسردية التي تسيطر على عقولهم منذ ثلاث سنوات على الأقل وسبع سنواتٍ على الأكثر، لأنّ النفط سيعاجلهم بسرديات جديدة، حيث تقول السردية منذ ثلاث سنوات أنّ سوريا تخضع لاحتلالٍ روسي، وتقول أنّ القيادة السورية لا تملك قرارها منذ سبع سنوات لصالح إيران، ثم جاءت سردية تقاسم النفوذ بين روسيا وإيران ثم سردية التشاحن ثم الاختلاف ثم التصادم، فحادثة إسقاط الطائرة الروسية بصواريخ الدفاع الجوي السوري، تعني أنّ القرار سوريٌ بحت، وهو مصداق لما صرّح به الرئيس الأسد سابقاً، بأنّ قوات الدفاع الجوي السوري لم تعد بحاجة للرجوع للقيادة السياسية في ملاحقة الأهداف المعادية.

ليس من الحكمة زراعة الرأس بالأوهام، ومهما كانت الحاجة للوهم ملحة وقت انعدام الخيارات، إلّا أنّ التخفف منه أكثر إلحاحاً، خصوصاً إذا كان وهماً مفرطاً في سذاجته، والوهم غالباً ينتج عن افتراضٍ خاطئ يعطي بالنتيجة استنتاجاً خاطئاً، فبشكلٍ تقنيٍ محض-وتقني هنا مجازاً- يُعتبر الوجود الروسي في سوريا وجودٌ يهدف للقضاء على الإرهاب حصراً، وهو الهدف الوحيد المعلن، ويجب محاكمة روسيا على هذا الأساس، فهي لم تدّعِ عداءً لـ”إسرائيل”، كما أنّ محور دمشق لم يدّع أنّها جزء من أهدافه المتعلقة بالعداء مع″إسرائيل”، فهو محورٌ عاقل لا يعاني من الأوهام خيرها وشرها، بل يراها حسب المعلن حليف في حربه ضد الإرهاب، وحتى مع يقينية أنّ الإرهاب في سوريا هو مجرد ذراع أمريكية”إسرائيلية”، فالتحالف مع موسكو هو لقطع اليد لا لقطع الرأس، لذلك فهذا المحور لا يطلب من حليفه الروسي أن يحارب “إسرائيل” نيابة عنه، فـ”إسرائيل” عدو محور المقاومة لا عدو روسيا، وعليه فإنّه من الوهم افتراض عداء روسي”إسرائيلي”، وبالتالي كل استنتاجٍ أو حكمٍ على أساس هذا الافتراض هو خاطئ حكماً، وبعيداً عن ذلك بإمكاننا كلٍ على ليلاه الغوص في قياس ردّ الفعل الروسي، ونتائج الاستهداف الصهيوني للهيبة الروسية وأهدافه القريبة والبعيدة.

وبما أن لفظ”كل” يشملني فأنا أيضاً بإمكاني التعبير عن ليلاي،  حيث أعتقد جازماً أنّ”إسرائيل” خرجت نهائياً من غرفة تقسيم الكعكة السورية، لذلك لا تنفك تحاول الإثبات أنّها عنصرٌ فاعلٌ قادرٌ على قلب الطاولة على الجميع، ولكن لا أحد يأخذها على محمل الجد في هذا المضمار، فالغارات العداونية التي تمارسها لا تغبّر الواقع الميداني أو السياسي قيد أنملة، وبما أنّها تعتقد أنّ موسكو هي من تمسك بخيوط اللعبة، فلا بدّ من إجبارها على أخذ المطامع″الإسرائيلية” بعين الاعتبار، فالودّ الدبلوماسي الذي يمارسه بوتين مع نتن ياهو لم يعد صالحاً لاستغلاله”إسرائيلياً” في تحصيل المكاسب، فكان لا بدّ من حدثٍ نافرٍ تتصدر من خلاله”إسرائيل” غرفة التقسيم، بغض النظر إنّ كانت هي من أطلق الصاروخ، أو اتخذت من الطائرة الروسية درعاً لتصيبه الصواريخ السورية، وردّ الفعل الروسي بمجمله أقصاه وأدناه حسب التصريحات وموقع صاحب التصريح، يعني أنّ باب الغرفة لا زال وسيظل مغلقاً في وجه”إسرائيل، وستظل على قوائم الانتظار خارج الغرفة لحين استعادة سوريا جغرافيتها وعافيتها، بكل ما يعنيه ذلك على وجه المنطقة والعالم، وعلى مصير الصراع العربي”الإسرائيلي”، لذلك ستبقى ردود الفعل الروسية في إطار الإبقاء على”إسرائيل” خارج الغرفة، بغض النظر عن التفاصيل التقنية، أمّا إخراجها من الوجود فليس من مهام روسيا.

إيهاب زكي - رأي اليوم

المصدر: داماس بوست

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها