وجهات نظر

عن احتمال العدوان الأمريكي على سورية..

وجهات نظر | داماس بوست

قبل الخوض في الموقف الميداني الحالي، واحتمالات حدوث اعتداء أمريكي جديد على سوريا، لابد من إلقاء نظرة على الاعتداءات السابقة، وخصائصها ومدى حجمها. بشكل عام، يحتوى سجل الاعتداءات الأمريكية على سيادة سوريا خمسة حوادث مضاف اليها عدد لا نهائي من الطلعات الجوية التي اخترقت الأجواء السورية دون أذن تحت ستار "التحالف الدولي لمحاربة داعش". هذه الحوادث هي:

أربعة غارات شنتها المقاتلات الأمريكية والطائرات دون طيار على مواقع عسكرية تابعة للجيش السوري بمدينة دير الزور في شهر سبتمبر عام 2016، ثم الغارة الصاروخية على مطار الشعيرات جنوبي شرق حمص في أبريل من العام الماضي، تلتها قصف تجمع للقوات الريفة قرب الحدود السورية العراقية في شهر يونيو من نفس العام، وهو نفس الشهر الذي شهد إسقاط مقاتلات التحالف لمقاتلة تابعة لسلاح الجو السوري جنوبي مدينة الرقة. اخر هذه الاعتداءات كان الغارة الجوية على القوات الرديفة شرقي دير الزور في شهر فبراير من هذا العام.
السمة الرئيسية لهذه العمليات كانت "المحدودية"، بمعنى أخر كان الأهداف المرجوة من هذه العمليات، والنتائج المترتبة عليها كانت محدودة النطاق والتأثير، واذا أخذنا العملية الأكبر منها "عملية مطار الشعيرات"، سنجد انها كانت المثال الأكبر على هذه المحدودية، وكانت مثالا واضحاً على فشل الولايات المتحدة في تنفيذ ضربة جراحية محدودة النطاق وقوية التأثير.
فغارة مطار الشعيرات تم تنفيذها بنسق مشابه للنسق المفترض في الضربة الأمريكية المتوقعة على سوريا، حيث نفذتها مدمرتا الصواريخ الموجهة " روس" و" بورتر" ، اللتان أطلقتا 59 صاروخا جوال من نوع "توماهوك"، ما وصل منها إلى المطار بشكل فعلي هو 23 صاروخاً فقط، بالإضافة إلى 3 صواريخ أصابت القرى الواقعة شرق المطار، وعلى الرغم من ان الجهة الشرقية للمطار كانت الأكثر تعرضاً للصواريخ، حيث أصابها نحو 15 صاروخاً استهدفت الملاجئ المحصنة للطائرات جنوب شرق المطار، الا ان الأضرار التي أصابت المطار بشكل عام لم تؤثر أطلاقاً على العمل بداخله، فالملاجئ التي تمت إصابتها من إجمالي 24 ملجأ محصناً بالمطار هي 10 ملاجئ، منها 6 لم يكن بها أية طائرة، ونتج عن الضربات تدمير 9 طائرات ميغ 23 وسوخوى 22، منها 6 طائرات في الخدمة الفعلية. لكن ظل في المطار نحو 5 قاذفات سوخوى 22 وميغ 23 عاملة، نفذت 3 منها طلعات جوية بعد عدة ساعات من الغارة نظراً لأن مدرجي المطار الرئيسي والفرعي لم يتعرضا لإضرار كبيرة.
النقطة اللافتة في هذا الصدد كانت في أداء صواريخ التوماهوك أثناء الضربة، نسبة الصواريخ التي وصلت إلى المطار من إجمالي ما تم إطلاقه كانت مؤشراً واضحاً على أن الدفاع الجوي السوري تصدى بشكل فعال للصواريخ أثناء تحليقها باستخدام منظومة "بانتسير" للدفاع الجوي، التي ساعدت بالإضافة الى عمليات الحرب الإلكترونية التي أطلقتها القوات الروسية للتشويش على الصواريخ الأمريكية، ساعدت في تحقيق هذه النسبة الممتازة.
اذا نظرنا الى الإمكانيات العسكرية المتوفرة للبحرية الأمريكية في البحر المتوسط، "وهنا التركيز على البحرية الأمريكية لأنه بنسبة كبيرة لن يكون لسلاح الجو أي دور في أي اعتداء مباشر قادم". في البحر المتوسط يتمركز للبحرية الأمريكية بشكل تقريبي ثمانية قطع بحرية تشكل معا مجموعة العمليات البحرية الأمريكية في البحر المتوسط، وتتكون من خمسة مدمرات من الفئة "Arleigh Burke" المزودة بالصواريخ الموجهة وهي "روس- دونالد كوك – بورتر – كارني- لابون"، يضاف اليها سفينتي أنزال بحري الأولى من الفئة "Wasp" وهي "أيو جيما"، والثانية من الفئة "San Antonio" وهي "نيو يورك". تتمركز هذه السفن بشكل شبه دوري في موانئ إيطاليا وإسبانيا واليونان، مع احتفاظها بنقطة ارتكاز اساسية في قاعدة روتا البحرية الإسبانية كجزء من منظومة الدفاع الصاروخي لحلف الناتو. في الوقت الحالي لا يتواجد في شرق المتوسط قبالة السواحل السورية سوى المدمرة "بورتر"، ويتوقع ان ينضم اليها خلال يومين المدمرة "دونالد كوك" قادمة من قبرص. تمتلك كل منهما تسليحاً يتكون من 90 خلية إطلاق خاصة بإطلاق صواريخ توماهوك الجوالة وصواريخ RUM-139 VL-ASROC المضادة للغواصات وصواريخ RIM-67 Standard ER المضادة للطائرات. على أكبر تقدير تستطيع كل منهما أطلاق نحو 60 صاروخ توماهوك، وقد سبق للمدمرة "بورتر" ان شاركت في عملية قصف مطار الشعيرات، يضاف الى ما سبق تواجد غير محدد المكان في البحر المتوسط للغواصة الهجومية من فئة "فيرجينيا" "John Warner".
بخلاف ذلك تحتفظ البحرية الفرنسية والبريطانية بتواجد في موانئ شمال البحر المتوسط، وانضمت الى منطقة شرق البحر المتوسط منذ أيام فرقاطة فرنسية من فئة "فريم" تحت الترقيم "D650" لتصبح في نفس موقع المدمرة الأمريكي بورتر.
على مستوى العمليات الجوية، لوحظ منذ الأمس عمليات استطلاع جوي انطلاقا من قاعدتي خليج سودا في كريت، وقاعدة سيغونيلا في صقلية، لطائرات الاستطلاع والمراقبة من نوعي "P-8A" و"RC-135 V" لمنطقة الساحل السوري وشرقي المتوسط.
إذاَ، وبالنظر الى ما تقدم، لا توفر القوة البحرية أو الجوية العاملة الأن شرقي المتوسط أي أمكانيات للقيادة العسكرية الأمريكية لتنفيذ ضربة عسكرية مركزة او شاملة، وهذا يحيلنا الى الاحتمالية الثانية وهي ان تنفذ الولايات المتحدة ضربة محدودة مماثلة لضربة مطار الشعيرات، وهنا تظهر معضلتين امام متخذ القرار في الولايات المتحدة، الأولى ان تنفيذ ضربة مماثلة لضربة الشعيرات لن يكون له أي مردود ميداني او حتى سياسي، نظرا لما سبق وتم ذكره عن عدم تحقق أي هدف واضح من ضربة الشعيرات، كما ان رد الفعل الروسي سواء أثناء الضربة أو بعدها يجعل من الضروري التفكير العميق في هذه الضربة قبل شنها. المعضلة الثانية هي النتائج الكارثية المتوقعة لأي عمليات عسكرية أمريكية في سوريا سواء على المواقع الأمريكية في جنوب وشرق سوريا "وهي تتعرض بالفعل لعمليات هجومية من آن لأخر"، او على المقاتلات الأمريكية العاملة في الأجواء السورية، والتي قد تجد نفسها في مواجهة مع سلاح الجو الروسي او السوري.
على جانب اخر، نجد بعض الإشاعات التي تداولتها بعض وسائل الإعلام الأمريكية والتركية، تتعلق بإخبار لم تثبت صحتها على الإطلاق، منها تحليق المقاتلات الروسية فوق المدمرة بورتر وفرقاطة الفريم الفرنسية، وتشويش الروس على الطائرات الأمريكية دون طيار في اجواء سوريا، ورفع حالة الاستعداد للدرجة القصوى في قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص " وللمفارقة، هذه القاعدة كان سلاح الجو السوري قد أقترب منها لمسافة قريبة جدا في حادث شهيرة تمت في سبتمبر 2013". هذا السيل من الإشاعات يذكرنا بسيل مماثل حدث في أغسطس 2013، وحينها كان هناك تهديد مماثل من قبل الولايات المتحدة بقصف سوريا، لكن هذا لم يحدث حينها برغم الحشد البحري الكبير في البحر المتوسط. لذلك نستطيع ان نقول ان احتمالات حدوث الضربة الأمريكية المحدودة حكما لسوريا هي 50 بالمائة مقابل 50 بالمائة لعدم حدوثها. وهنا عامل ترجيح حدوث ضربة من عدمه سيكون نتائج مناقشات الولايات المتحدة مع كل من قطر والسعودية وفرنسا والمملكة المتحدة، وهي الأطراف التي قد تحتاجها الولايات المتحدة مع اطراف اخرى لشن ضربة تكون لها صيغة "دولية" قد تحد قليلا من حرية الحركة الروسية سواء في الرد الآني على الضربة او في تسديد ضربات أخرى لاحقة.

 

المصدر: الصحفي المصري محمد منصور

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها