وجهات نظر

ماذا يعني اعتراف بن سلمان ببقاء الأسد بالتزامن مع قرار ترامب الانسحاب من سوريا ؟

وجهات نظر | داماس بوست

التصريحات التي أدلى بها الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لمجلة “تايم” يوم أمس، وأكد فيها أن "الرئيس السوري بشار الأسد باق في السلطة، ومن غير المرجح أن يترك منصبه قريبا" تعكس اعترافا على درجة كبيرة من الأهمية بعد سبع سنوات من الحرب الدموية قد يعني اقترابها من نقطة النهاية، وحدوث انقلاب في كل، أو معظم، خريطة التحالفات والقوة والضعف في المنطقة برمتها.

الأمير بن سلمان أدلى بهذا التصريح أثناء زيارته الحالية للولايات المتحدة، ولقاءاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في إدارته، مما يعني انه سمع تقييمات استراتيجية أمريكية تصب في هذه النتيجة، ولا يجد مناصا غير التسليم بها، وإعادة حساباته وحكومته على أساسها.

ما يؤكد ما قلناه سابقا أنها، أي (تصريحات بن سلمان) تتزامن مع قرار مفاجئ للرئيس ترامب عبّر عنه قبل يومين، وأبلغ به مستشاريه اليوم، بسحب القوات الأمريكية  2000 جندي من سورية، وعزز جدية هذا القرار اليوم السبت بتجميد 200 مليون دولار كان قد تعهد بدفعها ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي السابق، أثناء حضوره مؤتمر إعمار سورية في الكويت في شهر شباط الماضي.

القيادة السعودية بدأت تدرك استحالة الإطاحة بالرئيس السوري من السلطة قبل عام تقريبا، إن لم يكن أكثر قليلا، وبالتحديد منذ أن اجتمع عادل الجبير وزير الخارجية السعودي بوفد الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل قيادة المعارضة السورية، وكاشفها بأن عليها “التأقلم” مع فكرة بقاء الرئيس الأسد في الحكم والبحث عن أفكار جديدة تعكس هذا التحول، وهو الأمر الذي كان له وقع “الصدمة”، ودفع برئيس الهيئة رياض حجاب إلى الاستقالة، والهجرة إلى الولايات المتحدة تحت ذريعة العلاج، ولم تقم لهذه الهيئة وأعضائها أي قائمة في حينها.

هناك عدة أمور لافتة للنظر في تصريحات الأمير بن سلمان لا بد من التوقف عندها:

 الأول: أنه يؤيد بقاء القوات الأمريكية، ويعارض انسحابها من سورية لمواجهة طموحات إيران في تعزيز نفوذها، ويكون لها رأي أقوى بالتالي في مستقبل سورية، ولكن الأمنيات شيء والواقع شيء آخر، عندما يتعلق الأمر بقرارات الدول العظمى.

الثاني: إعرابه عن تمنياته بأن لا يتحول الرئيس السوري إلى “دمية” في يد إيران في مستقبل منطقة “الشرق الأوسط”.

الثالث: ملامح الاستراتيجية التي ستتبناها المملكة العربية السعودية في الملف السوري على ضوء هذا الاعتراف الخطير ببقاء الرئيس الأسد في السلطة، أي المضي قدما في مواجهة النفوذ الإيراني.

بالنسبة إلى الأمرين الأول والثاني، يمكن القول أن العلاقة بين إيران وسورية علاقة تحالفية إستراتيجية، لا يمكن، بل لا يجب النظر إليها من منظور “التابع والمتبوع″، أي أن الرئيس الأسد من الصعب أن يكون “دمية” في يد إيران، أو غيرها، لأنه يتزعم سورية، الدولة التي تملك جذورا حضارية تمتد لأكثر من ثمانية آلاف عام، مضافا إلى ذلك أن سورية ظلت دائما تتمتع بشخصية وهوية سياسية مستقلة، مثلها مثل دول المراكز العربية الرئيسية، وإلا لما حاربت لمدة سبع سنوات، وصمدت في مواجهة أعتى المؤامرات في تاريخ المنطقة، ومن هنا فإن خوف الأمير السعودي محمد بن سلمان في غير محله في اعتقادنا.

تناولنا للأمرين الأولين يقودنا إلى الثالث، وهو ما يمكن أن تفعله المملكة العربية السعودية بعد تبلور قناعتها الجديدة هذه في الملف السوري، وكيف ستكون الأسس التي تحكم إستراتيجيتها، وبالتالي تحركاتها الإقليمية فيه، أي الملف السوري؟

السيد حسن نصر الله أمين عام “حزب الله” وفي خطابه “الانتخابي” الذي ألقاه الأسبوع الماضي ربما يكون سلط بعض الأضواء على هذه الإستراتيجية بشكل غير مباشر، عندما كشف أن لقاءات سورية سعودية “سرية” كان محورها تحرك سعودي يريد إبعاد سورية عن إيران، وهي لقاءات لم تحقق أي نجاح على حد قوله، وهذا أمر غير مستبعد، لأن الحرب في سورية لم تصل إلى نقطة النهاية بعد، ولأنه من أهم دروس القيادة أن لا تغير أحصنها وتحالفاتها في ذروة المعركة.

لن يكون مفاجئا بالنسبة إلينا أن نشاهد تحولات متدرجة في مواقف القيادة السعودية في الملف السوري، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي العسكري والسياسي المتوقع، وخسارة المملكة أهم حلفائها العسكريين الميدانيين في الغوطة الشرقية أي “جيش الإسلام” بقيادة محمد علوش.

القمة العربية القادمة التي ستعقد بعد أسبوعين تقريبا في الرياض ربما تعكس هذه الإستراتيجية السعودية الجديدة، سواء من خلال توجيه الدعوة للدولة السورية للمشاركة فيها، وهذا احتمال ضعيف، أو إصدار توصيات برفع أي قيود أو تحفظات على استعادتها للمقعد السوري في الجامعة العربية ومؤسسة القمة مستقبلا، وهذا أمر يتحتم الموافقة الرسمية السورية، أو تخفيف الحدة في اللهجة تجاهها بالمقارنة مع البيانات الختامية للقمم السابقة، وهذا الخيار هو الأكثر ترجيحا كبداية.

سورية الدولة تتعافى وكذلك سورية الوطن، وها هي الدولة الأعظم التي قادت “المؤامرة” ضدها، وبهدف إسقاط النظام فيها، وتقسيمها، تقر بالهزيمة، وترفع الرايات البيضاء، وتسحب قواتها، وتخذل أنصارها دولا كانوا أو منظمات، الأمر الذي يمهد لخروج “سورية جديدة” أكثر قوة من بين الأنقاض، وعلى الجميع أن يجري مراجعاته، ويعيد حساباته بسرعة، وفق هذه المعادلة الجديدة، أو هكذا نعتقد.. والأيام بيننا.

المصدر: عبد الباري عطوان

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها