وجهات نظر

ما بعد الحرب العالمية الثالثة

وجهات نظر | داماس بوست

منذ زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى الاتحاد السوفياتي في العام 1972 وحتى تفكيك الأخير في أوائل التسعينيات، وهم يعتمدون أساليب الترغيب والترهيب للخلاص من هذا المنافس الذي أثبت قوته وجدارته وجذبه لكثير من الدول والملايين من شعوب الأرض، وطوال تلك الفترة اصطفّت مشايخ الأعراب في السعودية والخليج وتركيا مع قوى البغي والعدوان والنهب الغربية بخنوع مستدام منذ ذلك الحين.

حالما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وشهد الحلفاء قوة الاتحاد السوفياتي وانتصاره على النازية، سارعوا الى الانضمام إليه لكسب شرف الانتصار، والادّعاء أن لهم نصيباً من هذا النصر. لكن، ومن جهة أخرى، سارع زعماء الدول الغربية إلى تناسي خلافاتهم الرأسمالية لتقسيم العالم، ونهب ثروات الشعوب، وإنشاء حلف الناتو ليواجه الاتحاد السوفياتي.

أدركوا في قرارة أنفسهم أنّ المستقبل سيكون للاتحاد السوفياتي ما لم يتخذوا إجراءات تزيد من عوامل قوّتهم وتكبح جماح عنفوانه وسطوته. وبدأوا منذ ذلك الوقت يزيدون من تعاضدهم وتعاونهم عبر المحيطات كي يبقى استئثارهم بثروات العالم نافذاً. هذه الثروات التي بنيت عليها إمبراطورياتهم وعواصمهم وقوّتهم وازدهارهم الذي يفتخرون به.

هكذا، ومنذ زيارة الرئيس ريتشارد نيكسون الاتحاد السوفياتي في العام 1972 حتى تفكيك الأخير في أوائل التسعينيات، وهم يعتمدون أساليب الترغيب والترهيب للتخلّص من هذا المنافس، الذي أثبت قوته وجدارته وجذبه لكثير من الدول والملايين من شعوب الأرض، وطوال تلك الفترة اصطفّت مشايخ الأعراب في السعودية والخليج وتركيا مع قوى البغي والعدوان والنهب الغربية بخنوع مستدام منذ ذلك الحين.

اليوم، ومع أنّ حرباً عالمية ثالثة بدأت مع مجريات الأحداث خلال ما سمّوه «ربيعاً عربياً»، وهي حرب نهب استعمارية لِذهب العرب ونفطهم وثرواتهم في العراق وليبيا وسوريا واليمن والخليج، فإنّها ولّدت إرهاصات نهاية الحرب على سوريا في نفوس الحكومات الغربية ذات الشعور بالذعر الذي انتابها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. إذ إنّ المخطط تفتيت الدول العربية وتقسيمها وإخلاء المنطقة للقوة الإسرائيلية وحلفائها والاستعباد والنهب الاستعماريّ المكشوف بقمع أيّ مقاومة عربية، وإذا بالنتائج تقوّض أوهامهم من خلال نشوء تحالف روسي – سوري – إيراني مرشّح أن يغيّر وجه المنطقة، وأن يكون عائقاً حقيقياً في وجه غطرسة القوى الغربية وأداتها الأساسية؛ الكيان الصهيوني.

ومن هنا فقد بدأت الولايات المتحدة والدول الغربية باتخاذ إجراءات استثنائية ضدّ روسيا وإيران وسوريا، من عقوبات اقتصادية، إلى محاولات تقويض الاتفاق النووي مع إيران، إلى طرد دبلوماسيين روس من لندن، واصطفاف ألمانيا وفرنسا وأميركا مع المملكة المتحدة، وتأييدها لها في هذا الإجراء من دون أيّ أدلّة أو إثباتات على الفرضيات التي وضعتها المملكة حول الجاسوس الروسي المزدوج، سيرغي سكريبال.

والواقع هو أنّ كلّ الذرائع المختلفة لزيادة توتير الأجواء مع روسيا وإيران وسوريا تبقى مجرّد ذرائع لتنفيذ سياسات معدّة سلفاً، من سلخ أوكرانيا عن الحليف الروسي التاريخي، إلى الوقوف في وجه السياسات الروسية في سوريا والشرق الأوسط لمناسبة ولغير مناسبة.

الدافع الأساسيّ وراء هيمنة المتشدّدين اليوم في الإدارة الأميركية واستبعاد الحمائم من مراكز القرار هو هذا الخوف من صعود القوة الروسية في العالم، وكابوسهم هو أنّ بوتين يعيد إلى روسيا قوة الاتحاد السوفياتي، الذي أمضوا عقوداً مستخدمين كلّ الوسائل المتاحة لديهم من أجل تفكيكه.

في قراءة متأنّية للأعمال والتصرفات نجد أنها خارجة عن المألوف في ما يتعلّق بالعرف الدبلوماسي والعلاقات بين الدول. فمتى كانت سفيرة الولايات المتحدة، في ما يفترض أنه أرقى منبر دولي، تشير إلى استخدامها الكعب العالي لضرب كلّ من ينتقد «إسرائيل»، وتتنكّر لمواطن أميركي يشرّف سجلّه الولايات المتحدة من تحصيل علميّ وقانونيّ وموقف إنساني عادل، وهو البروفسور ريتشارد فولك، فقط لأنه اتخذ موقفاً جريئاً بمساندة الحقّ الفلسطيني في وجه الطغيان الإسرائيلي وظلمه لهذا الشعب المكافح من أجل حريته واستقلاله.

كما أنّ تصرّفات الرئيس ترامب مع مسؤولي الولايات المتحدة هي تصرّفات غير مسبوقة، ولو أنّ أحداً في بلد آخر في العالم يُقدم على تنفيذ ما يفعله ترامب وزمرته الصهيونية وأتباعه من الأعراب لاستحقّوا صفحات من النقد، وإدانات ومحاكم دولية على الأسلوب المتخبّط المتّبع، والاستهتار بكلّ الأعراف السياسية والدبلوماسية.

أما سياساتهم تجاه قضية فلسطين، فهي تفتقر إلى أدنى درجات احترام حقوق الإنسان وقضايا الشعوب، كما تفتقر إلى أدنى درجات التفكير في أحكام التاريخ مستقبلاً. وها هو ترامب وقد تأرجح موقفه أيضاً من كوريا الشمالية يبرهن على الأزمة التي يعيشها النظام الرأسمالي اليوم. وقد يكون تصريح وزير الدفاع البريطاني أنّ على روسيا «أن تتنحّى وتصمت» يعبّر عمّا يدور في لاشعور القادة الغربيين، وهو كيفية التخلّص من روسيا التي تزداد قوّة يوماً بعد يوم، كما يزداد تأثيرها في الساحة الإقليمية والدولية بما لا يمكن لجمه أو حتى الحدّ منه.

القضية بالنسبة إليهم هي نهب الثروات في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، لذلك فهم يدافعون بكلّ ما أوتوا من قوّة من أجل الحفاظ على تحكّمهم في مصادر الثروات، وهي الوحيدة التي تعنيهم، ولا يعنيهم سقوط الملايين من شهداء وجرحى ومهجّرين في اليمن وسوريا والعراق وليبيا، أو أن أهل عفرين ضحايا لجرائم أردوغان، ولا تهمهم معاناة الملايين من أهل فلسطين نتيجة القرارات الصهيونية الأميركية والإسرائيلية الظالمة لهذا الشعب.

كلّ ما يعنيهم في أعقاب هذه الحرب العالمية الثالثة، التي ترقى نتائجها إلى نتائج الحرب العالمية الثانية، هو أن يحدّوا من عناصر قوة روسيا وإيران وسوريا، وأن يتخذوا كلّ الإجراءات التي تضمن استمرار هيمنتهم على دول الأرض وشعوبها ضاربين عرض الحائط بالشرعية الدولية وحقوق الإنسان، وأمن البشر وسلامتهم. هذه هي سياساتهم في الشرق الأوسط، وأميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا تبرهن على توصيفهم هذا، ولكنّ القوى التي فهمت جوهر أنظمتهم آخذة في التكوّن واستجماع عناصر القوة، ولا شكّ أنها هي التي سوف تمتلك مفاتيح المستقبل، ولن تجدي نفعاً عقوباتهم وهوس متطرّفيهم وأساليبهم الهوليوودية في تغيير منطق التاريخ ومسيرته.

 

بثينة شعبان

المصدر: الميادين

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها

شارك برأيك

أخبار ذات صلة