خاص

قصة عيد ميلاد لطفلة .. يلتهمُ الراتب كله ..  وبقية الأيام تسندها الديون ..!

خاص | داماس بوست

لم تستطع السيدة نور أن تقاوم رغبة طفلتها الصغيرة التي أكملت السادسة من عمرها لتجتاز المنعطف الأول الأهم بعد ولادتها، حيث صارت اليوم مهيّأة للدخول رسمياً إلى الصف الأول الابتدائي، وقد طالبتها ابنتها بأن تقيم لها احتفالاً بعيد ميلادها السادس، وقالت لها بأنها ستدعو بعض رفاقها ورفيقاتها التي تحبهم وكانوا معها في روضة الأطفال، وعددهم بحدود العشرة، فوعدتها بأن تُقيم لها عيد ميلاد، غير أنّ السيدة نور لم يكن بمقدورها أن تُغطّي نفقات مثل هذه الدعوة، إذ لا يتجاوز راتبها 35000 شهرياً، فدخلت بمفاوضاتٍ مع طفلتها، كي تُخفّف من العدد حتى تتمكّن من إقامة الاحتفال، فتوصّلت معها لإقناعها بأن تقتصر على الأربعة الأقرب إليها، فاتّفقت الصبيتان ( نور وابنتها ) على ذلك، ومع هذا الاختصار لم يكن الأمر سهلاً، فماذا فعل الاحتفال بالراتب ..؟

تقول السيدة نور: في البداية كان لا بدّ من شراء ثيابٍ جديدة لصغيرتي، إذ كنتُ حريصة على أن تبدو بهيّةً في عيد ميلادها أمام رفاقها ورفيقاتها، فأخذتُها إلى السوق، وحاولتُ الابتعاد عن المحلات المشهورة بالنوعية المميزة، والأسعار المرتفعة، ودائماً كنتُ على تذكّرٍ للمثل القائل ( على قَدْ بساطك مد رجليك ) ولكن المشكلة أن بساطنا صغير جداً لا يُتيح لنا التململَ عليه، وبعد بحثٍ وتنقيب في محال ألبسة الأطفال الشعبية، أعجبتني تنورة حلوة، وبلوزة مناسبة، وجاكيت كان لا بدّ منها بهذا البرد القارس، وقلت ألبّسها تحت التنورة كولون طفولي فتبدو بالبهاء الذي أتمنّاه، وقد قستُ هذه الثياب عليها فبدت جميلة جداً، أعجبتني وأعجبتها هي أيضاً، فابتسامتها التي سلبت قلبي على وجهها البريء قالت لي ذلك.
بعد القياس أخذنا الثياب إلى أمام البائع لنحاسبه، فكانت الصدمة بأن أسعار القطع الثلاثة بواحد وعشرين ألف ليرة ..! قلتُ له: كيف ذلك ..؟!! فقال : هذه التنورة أصلية، وقماشها ممتاز، سعرها تسعة آلاف ليرة، وقد حسبتها لكِ بسبعة، البلوزة أيضاً نوعية جيدة، هي بخمسة آلاف وخمسمئة، حسبتها لكِ بأربعة، الجاكيت سعرها 12500 ليرة سأحسبها لكِ بعشرة آلاف فقط، قلتُ له : هذا كثير..! فقال : لا بل قليل .. وبين الكثير والقليل استطعنا بالكاد، وبصعوبة شديدة تنزيل القطع الثلاثة بالإجمال إلى 18 ألف ليرة.
وكان لابدّ لهذه الثياب من أن تكتمل بحذاء جديد مناسب، وبصعوبة استطعنا الحصول على حذاء طفولي بأربعة آلاف وخمسمئة ليرة، وشكالات شعر بخمسمئة، وعكفنا نحو محل الكاتو، فكانت البلوى أن القالب الجاهز الذي يمكن أن يكفي الحاضرين لا يقلّ سعره عن خمسة آلاف ليرة، اشترينا واحداً ومعه بألف ليرة أخرى شموع وشعلتان ناريتان توقدان في بداية الحفل.
يا إلهي .. لم نفعل شيئاً بعد، وها قد دفعنا 29 ألف ليرة، وتمنّت طفلتي أن أشتري لها بعض الألعاب، فاشتريتُ لها ألعاباً جدُّ بسيطة بخمسة آلاف وخمسمئة ليرة، وهذه خمسمئة أخرى أجرة السيارة التي ستقلّنا إلى البيت، وصلنا وقد دفعنا 33 ألف ليرة..! فكيف سأكمل لطفلتي فرحتها بعيد ميلادها ..؟!
كان لابدّ من الدّين، اتصلتُ مع إحدى صديقاتي – تقول السيدة نور – والتي أعلم أن وضعها المادي جيد، وطلبتُ منها ثلاثين ألف ليرة أسدّدها لها لاحقاً، فأنقذتني، لأتابع طقوس عيد الميلاد الذي سينهكني، قلتُ سأصنعُ بنفسي قالباً من الكاستر، فاشتريت علبة بقيمة 550 ليرة، و2كغ حليب بمبلغ 450 ليرة، وكاكاو بمبلغ 200 ليرة، وأوصينا على فطاير صغيرة منوّعة بقيمة ألفي ليرة، وجاط تبولة كانت كلفته بحدود 1000 ليرة، وألف ليرة أخرى تقريباً للعصير.
كلفنا الاحتفال على الرغم من بساطته – تقول نور – أكثر من أربعين ألف ليرة، فأتى على الراتب كله، وزيادة فوقه خمسة آلاف ليرة، لنبقى بقية الشهر على ما تبقى من مبلغ الدّين الذي سأقتطعه من احتياجاتنا لاحقاً لأعيده إلى صديقتي.
تلك هي أحوالنا الصعبة .. ولكن تعالوا ننسى أعياد ميلادنا إلى أن ترأف بنا الحكومة وتقرر زيادة الرواتب والأجور، ليرتفع مستوى المعيشة الذي تقول بأنها حريصة على رفعه .. ولكننا لم نعلم بعد كيف يكون ذلك الرفعُ وذاكَ الحرص ..؟!

المصدر: علي محمود جديد

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها