المهجر

كلّ السوريات في فرنسا .. سفيرات

مصدر الصورة: داماس بوست
المهجر | داماس بوست

ربما ما بقي من إرث عمراني فرنسي في سورية.. كان الدافع لنسوة سوريات لرد الدّين على مبدأ "الحياة دين ووفا"، وعلى عكس الانتداب الفرنسي.. كان تواجدهن قدرياً في بلاد الغال، فحملن رسالة السلام .. ورسمن ضمن أروقة باريس جمالهن بأبخرة الطعام ، ودفء الروح والموسيقى، وجلّ ما سعين لنشره هو أن سورية .. ليست بلاد حرب فحسب

الرياضيات... المريضة...

رولا الممرضة في إحدى مشافي دمشق وجدت نفسها تلميذة من جديد في إحدى مشافي (الكادا) في فرنسا، تنتظر مولودها الذي سيغنيها عن مقاعد الدراسة لمهنة تتقنها جيداً "سأتفرغ لطفلي"...

وكأن خيار الأمومة كان أحد الحلول السحرية للهرب من واقع يعشنه بعض السوريات في فرنسا، تقول ريم: "طفلي أولاً" وهي المدرّسة للغة الفرنسية في جامعة دمشق، المربية لطفلها في إحدى ضواحي باريس...

اللوغاريتم والدلتا ،التقاطع والاجتماع، الظل والتظل، الجذر التربيعي وكل ما تتقنه سارة من أرقام ورموز، لم تمنع المرشد الاجتماعي من الهمس في أذنها: "لن تعملي طالما ترتدين الحجاب"، تقول: "بدل ما نتطور ونحقق ذاتنا بأوروبا رجعنا لورا"، بدا وزير الداخلية الفرنسي برنار كازانوف متعاطفاً مع قضية المحجبات الأجانب في فرنسا حين أدان في تصريح نشره موقع (L 24) ما قاله رؤساء بعض البلديات بخصوص قضية المحجبات والتفرقة الطائفية، حينها أيضاً وقف نجومٌ من الفن والرياضة بوجه القرارات المجحفة وحثّوا السلطات على فتح الأبواب للاجئين كافةً ما أدى لتأجيج الصراع بين اليمين واليسار حول الهجرة واللّجوء ، خصوصاً بعد ما أطلقه نشطاء الجبهة الوطنية برئاسة مارين لوبان وجملتها الشهيرة "أنا فرنسية لا أريد مهاجراً، كل ذلك جاء في وقت عبّرت فيه حكومات اشتراكية في أوروبا عن رغبتها باستقبال آلاف اللاجئين....

الطبخ لغة لا يفهمها إلا السوريات

التصفيق الذي تسمعه إيناس لأطباقها الشرقية جعلها المتحمسة دائماً لترديد جملتها " ما خليت حدا بالمنطقة إلا وطعميتو أكل سوري"..

حكايتها بدأت حين شجعتها المسؤولة بـ "السنترسوسيال" على القيام بتقديم الطعام من المطبخ السوري لمرة في الأسبوع، يوم واحد جعلت منه إيناس فرصة لاطلاع الفرنسيين على مالا يعرفونه من نكهات " الفلافل، الحمّص، المتبل.."

وكأنها تورطهم بالطعم لطلب المزيد من الأصناف، حتى غدا لها صفحة خاصة ضمن برنامج أسبوعي خاص بطهيها والذي يعود ريعه لمدرسة ابنتها عازفة القيثارة الصغيرة...

تقول إيناس: "استطعت وبعد عناء المحافظة على ظهوري كإنسانة سورية لها مركزها ونشاطها بينهم"، توضح ما يخفيه يوم الطبخ هذا "إني أتعلم منكم، وأنتم تتعلمون مني" تخيلتها تقول: "سأصنع لكم الكرواسان بحشوة الجبن البلدي"..

ما جعل الكثير من الفرنسيين والفرنسيات يتهافتون على موقع النت خاصتها لحجز مقعد وراء طاولة مطبخ ايناس السوري، هي جعلت من الطبخ فناً أيضاً ولغة سورية وصلت إلى مسامع من أرادت في تلك البلاد....

"ماريان" في القصاع...

رغم خسارتها لعملها كمدرّسة للغة الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي وجامعة دمشق بعد إغلاق السفارة الفرنسية أثناء الحرب السورية، مازالت "آن" الأميرة في سورية، " السوريون يحبون الأجانب"

لم تقف خسائرها عند هذا بل تعدتها حين تلقف بيتها في منطقة القصاع قذيفة هاون خلفت خسائر مادية كثيرة، حينها فقط تناقش الزوجان بموضوع السفر إلى فرنسا ، انتهى نقاشهما سريعاً " لن نسافر، لازال هناك المزيد من الأمل"...

لهفة الجيران ولملمة ما كُسر داخل المنزل حفر في قلب آن جملة تقولها جهارة :"أنا شخصياً مرتاحة للسوريين وأحبهم أكثر من الفرنسيين" ..

تعقّب: " السوريون رغم الحرب عليهم يحبون الحياة ويقاومون لأجلها، ويجلبون الفرح من بين كل تفاصيل الحرب البشعة وهذا مستحيل أن تجديه في فرنسا"

عاشت "آن" 17 سنة من حياتها مع زوجها وطفليها في سورية ضمنها سنوات الحرب التي لن تستطع فرنسا تحملّها، " ليسوا أقوياء كما السوريين"

القنابل الموقوتة... في فرنسا...

كان سؤالي عن ما بقي من خصوصية سورية تحملنها تلك السوريات في البلاد الفرنسية كالقنبلة التي فجرت كل ما يجول في خاطرهن ...

ديما حملت معها من سورية ألبوم صور تنظر له كل يوم بدمعة أكاد أراها تقول: "آخ على سورية شو اشتقنا"، سلوى تحمل نفس الأشواق والدموع خاصةً عندما يهلّ شهر رمضان بما يحمله من بهجة من خلال اجتماع الأهل و"المشاوير وجمعات النسوان" والتي تفتقدها جداً في مكان إقامتها شمال فرنسا..

جارتها رنا تحاول نقل بعض تلك البهجة الرمضانية على طاولتها الفرنسية، فهي تحضر ما لذ وطاب من طعام سوري بامتياز وتركز "أهمها المكدوس واللبنة وحلاوة الجبن والكنافة النابلسية " لتفاجئ بها زوارها ....

حكاية وردة اختلفت قليلاً فخفقان قلبها ودموعها كانت حين سمعت إحداهن تتكلم اللهجة السورية عندما كانت في (الماكزا) "كنت ناطرة هاللحظة من زمان لأشعر بأني أصبحت في أمان ...

وكأن كل السوريات هناك يعشن نفس الهم وهو الإحساس بالأمان المختلط بالشوق والحنين والحسرة، هكذا تبدأ سالي كلامها وهي التي تعيش مع أسرتها في مدينة ليون، "اكتشفت عائلتي الأسواق المشابهة لأسواق سورية حتى بأبسط تفاصيل الحياة"...

رغم ما تعشنه السوريات في فرنسا خارج منازلهن من انضباط بقوانين صارمة ووقوف في طوابير الأوراق وعراقيل تعلم اللغة الفرنسية وغيرها الكثير، إلا أن جميعهن يعشن سوريتهم الكاملة داخل منازلهن المغلقة إلى حين .. وتبقى آن مشرعة نافذتها لتلمح من خلالها ابتسامتها التي امست سورية بامتياز .. وإن على ضوء الشمعة ..

المصدر: سهير حريز - داماس بوست

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي داماس بوست وإنما تعبر عن رأي أصحابها