البوكيمون

الأيام – لجين سليمان

في العام 2000 انهمك معظم أطفال الجيل السوري بالمسلسل الكرتوني “البوكيمون” وامتلأت المدارس السورية الابتدائية بالحديث حول “آش” و “ميسي” و “مياوز” شخصيات ذلك المسلسل.

تلا الصيت الذائع للمسلسل، إصدار مجموعة من ألعاب البوكيمون، والتي هي عبارة عن دوائر من الكرتون رسم عليها شخصيات ذلك الفيلم، كادت تملأ باحات المدارس في العلن، والصفوف في السر.

 معظم الصفوف المدرسية حينها كانت منشغلة بكرة “البوكيمون” وتلك الأوراق الكرتونية المدوّرة، وكان التلميذ الأذكى هو القادر على حجز المقعد الأخير في الصف، كي لا يراه أحد وهو يقضي الوقت باللعب بالبوكيمون، حتى أن هذه اللعبة باتت تجري على طريقة المقامرات والمراهنات بين مجموعات من الطلبة.

 استمرّ الأمر لأشهر إلى أن دعانا مدير المدرسة يومها لاجتماع طارئ في الباحة.

وماذا كان موضوع الاجتماع؟ كان الموضوع هو “المؤامرة”!. نعم، فقد أعلن مدير المدرسة عن مؤامرة تقودها كرة البوكيمون الصغيرة، مؤكداً أن إشعاعات خطرة تنطلق من تلك اللعبة وتضرّ بالأطفال، وهذه الإشعاعات امبريالية الصنع، أي لم تُنتجها أي دولة صديقة.

ولم تتوقف نظرية المؤامرة عند هذا الحد بل امتدت إلى أنّ جهات معادية ترسل لأطفالنا هذا النوع من الألعاب، كي تضرّ بصحتهم وتلهيهم عن دراستهم، وهو ما يعني أن الأمر كان طبيعيا لو لم تكن هذه الجهات هي الفاعل، حسب الادعاء، أو بالأحرى فإن الصفوف الممتلئة بألعاب البوكيمون كانت ستمرّ دون عقاب، لو أن الأمر لم يكن مؤامرة خطيرة!.

اليوم وبينما يضجّ العالم بأخبار انتشار فيروس الكورونا، في أجزاء واسعة من الصين، مع خشية كبيرة أن يتحوّل إلى وباء عالمي، وبعد أن وجه العديد من الأشخاص حول العالم أصابع الاتهام إلى أمريكا، استذكرت مؤامرة لعبة “البوكيمون”،

فلم أسمع بنظرية “المؤامرة” بين الصينيين، ولم يوجه أحد أصابع الاتهام إلى أيّ كان، بل العكس تماماً، كان الهدف هو الإجراءات الوقائية، ولم تتوان شركات الخليوي عن إرسال رسائل تذكّر بضرورة الوقاية من المرض، كذلك لم تتباطأ إدارة الجامعة بنشر تعليمات حول كيفية الوقاية.

وعلى الرّغم من إعلان بعض الباحثين الأمريكيين أن العلاج سيكون جاهزاً، سارعت الصين إلى الإعلان عن اكتشاف اللقاح المضاد، لأن الهدف هو التحرّك السريع والعاجل، لتفادي المزيد من الخسائر.

لا بل أنه وفي ظل ظروف الكارثة، بدأت تتوالى أخبار عن إنجازات في سرعة التشييد، كبناء مشفى في أسبوع، وعلى الرغم من تشكيك البعض بأن الأرقام الحكومية الصادرة هي غير دقيقة، والأرقام الحقيقية هي أكبر بكثير، إلا أن الدول والحكومات التي تتصرّف بهذه الطريقة، تبقى مشكورة، لأنه وفي الجانب الآخر لو حدث هكذا وباء في دول نامية،  لكان التصرّف بكتمان الحقائق والتنديد بالمؤامرة، حتى تهلك الشعوب أكثر مما هي هالكة.

هو الأسلوب ذاته الذي تحرّك به مدير المدرسة لتفادي إشعاعات البوكيمون، لكن مع اختلاف السبب وطريقة المكافحة، والذي هو فقط المؤامرة، فلو لم تشر أصابع الاتهام إلى المؤامرة، لكان الإشعاع الإمبريالي الخطير، قتل الجميع، دون معرفة المسبب.

ربما سنبقى لأجيال قادمة، نعاني من فكرة المؤامرة، في الوقت الذي تطوّرت فيه الحروب في مختلف الدول، فباتت تقارع بعضها بالتكنولوجيا والإعلام والعلم، إلا أن مصير الدول النامية، أن تستمرّ في مقارعة المؤامرة، بالإدارة العسكرية وبالتضييق على شعوبها.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر