قرار غير قابل للطعن على أريكة خشبية

الأيام – فاطمة عمراني

في غرفة لا تتجاوز مساحتها عشرين متراً، وبتوزيع غير عادلٍ، تتربع النساء الأربع على الأريكتين الخشبيتين المهترئتين، فيما يفترش أطفالهنّ الخمسة أرض الغرفة.

وبمزيج من بكاء الأطفال وصراخ الأمهات الأخوات، ينهمر سيل من الشتائم القادحة والدعوات اللاذعة التي تتمنى للأطفال مختلف الأمراض والعلل وترجو لهم الموت بأبشع الطرق، فيزيد بكاء الأطفال ويعلو صراخ الأمهات.

النساء يندبنَ حظّهن العاثر باستمرار، للحظات، يتمنين عالماً توقفت عنده عقارب الساعة منذ عشر سنوات تماماً أي قبل أن ينجبن، يشتمن الأمومة والطفولة على حدٍّ سواء، ويلعنّ الزواج والإنجاب والأطفال. يستعدن ذكريات فنجان قهوة يرافقه صوت فيروز، فنجان لن يتزامن مع شروق الشمس، فمعاد الاستيقاظ كان متأخراً. يرتشفن القهوة الممزوجة بالنميمة والثرثرة على عجلٍ ثم يقبلن أطفالهنّ ويعاودن سيل الشتائم والدعوات بعد أن عاود الأطفال البكاء.

 أنتقل إلى غرفة مجاورة بحجّة ساذجة، فمزيج الأصوات هذا أكبر من طاقتي الاستيعابية، أغلق باب الغرفة على قريباتي وأولادهن والصداع يقيم احتفالاً في رأسي وأنا أتمتم “مستحيل جيب ولاد، مستحيل”.

مقارنة افتراضية أحاول أن أتوصل من خلالها إلى قرار نهائي: ما هو أكثر القرارات جنوناً هنا والآن؟ الإنجاب أم افتتاح مطعم للكافيار في البرامكة؟ دون تردد أسلم الجائزة لفكرة الإنجاب.

في الظروف الأقل جنوناً، كانت فكرة الإنجاب ترعبني، الحمل والولادة والمخاطر الصحية، المسؤولية النفسية والتربوية والاجتماعية، الواجب تجاه مخلوق صغير سأكون مسؤولة عنه بالكامل، إكسابه كل خبرة وعلم ومهارة ممكنة، تلقينه القدرة على المواجهة، الثقة بالنفس، احترام الذات، مواجهة المجتمع، التنظيم، المثابرة، القوة، الشجاعة، بناء شخصيته ليغدو شخصاً سوياً، الاستماع لرأيه، الصبر على تعليمه، وهذه الأشياء لا يكتسبها الإنسان بالمصادفة، إنما عبر مسيرة بناء تبدأ من الطفولة وتستمر للشباب، وينميها الوالدان ويقيسانها شهراً بشهر وعاماً بعام.

يتعين عليّ أن أجنبه الشتيمة النابعة من التصوّر الفلسفي الذي يقول إن الفعل الذي استوجب الشتيمة لم يكن ليحدث لو أن أمّ الشخص وأبيه قاما بواجبهما في تربيته، وهذا التصور الذي يعالج العلّة عوضا عن النتيجة، ويوجّه الشتيمة لمن يستحقها فعلاً، وهو -في أغلب الأحيان- تصوّر صحيح.

سأضطر أن أقبل ضعفي مقابل قوّة طفلي، أن أتسامح مع كهولتي مقابل شبابه، أن أفرح بالشعر الأبيض في رأسي والتجاعيد في وجهي، والألم في مفاصلي إذا كانت ستعني حياة أفضل له، سأكون عجوزاً متعبة أنهكتها الحياة والمسؤوليات وأسوةً بمن أراه في العجائز من حولي، غالباً سأكون وحيدة.

عدت إلى غرفة الأطفال وقد قررت أن عدم الإنجاب أصبح من المسلّمات في حياتي، وأنني لن أجهد نفسي وأخسر عملي ونجاحي لأختبر شعور الأمومة، سأقول للجميع، عندما أصبح عجوزاً، لقد عزفت عن الإنجاب، لكنني مع ذلك لن أقول أنه شيء تافه أو غير ضروري أو مستحيل.. على العكس، هو شيء رائع وهنالك الكثيرون ممن نجحوا فيه وكانوا سعداء، لكنني لا أفضل أن أكون واحدةً منهم.

لكن الفضول لا زال يقتلني، لماذا تقدم هؤلاء النسوة على الإنجاب وتحمل تلك المسؤوليات ومكابدة عناء التربية وكل تلك التكاليف الباهظة، فاقتربت من أكبر الأخوات وسألتها: “هل تستحق الأمومة كل هذا العناء؟”، قبّلت ابنها برفق وثبتت نظرها على عينيه وهي تقول: “لا أريد أن أكبر وحيدة، لا أريد أن أموت وحيدة وأن تتعفن جثتي في منزلي، سيكون طفلي خدعتي البسيطة التي أحتال فيها على الموت لأقول له أنني لم أمت، بل بعثت مرة أخرى في طفلي”.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر