أبواب الغوطة.. حكايات غير لطيفة وليست صالحة لأن تُحكى قبل النوم

الأيام – زينة شهلا

عندما كنا صغاراً، اعتاد آباؤنا وأمهاتنا، وكي أكون أكثر دقة: آباء وأمهات بعضنا وليس جميعنا، على رواية حكايات تحمل بين طياتها مواعظ يجدر بنا اتباعها في حياتنا، وقد يودي عدم الإنصات إليها إلى التهلكة.

أذكر واحدة من تلك الحكايات التي كانت تتحدث عن زوار منتصف الليل وهم من الشخصيات الخيالية ذات القدرات الخارقة، ومعظمها على الأغلب بنوايا خبيثة تهدف لإيذائنا. وكانت خلاصة القصة التي لا يمكنني استرجاع تفاصيلها كاملة، أن علينا ألا نفتح أبواب منازلنا للغرباء، خاصة خلال ساعات الليل، وأن نبقيها موصدة إلى أن يطلع ضوء النهار طارداً أولئك الزوار غير المرغوب بهم.

***

على بعد أقل من عشرة كيلومترات عن وسط دمشق، تبدأ ملامح غوطة دمشق الشرقية بالظهور. عاشت المنطقة التي تمتد على مساحة تتجاوز المئة كيلومتر مربع سنواتَ حربٍ وحصارٍ طويلة انتهت بحال بائس في معظم، إن لم يكن جميع، مدنها وبلداتها التي يقارب عددها الخمس وأربعين.

يبدو هذا الحال البائس واضحاً للعيان ما أن نتجاوز آخر أبنية دمشق وندخل في أول شوارع الغوطة، ويتجلى في كل مكان: الأبنية المدمرة كلياً أو جزئياً، الطرقات المليئة بالحفر، الحارات والأزقة التي لا يزال بعضها مغلقاً بسبب الركام، والأهم، وجوه السكان الشاحبة والمنهكة، وأعدادهم تتزايد كل يوم نتيجة العودة من مناطق النزوح إلى منازلهم وإن كانت غير قابلة للسكن، “فلا أحن من المنزل على أصحابه” كما تقول لي عجوز ستينية قابلتها هناك.

وعلى طول الطرق الرئيسية لجميع بلدات الغوطة، تنتشر محال متخصصة بكل ما يتعلق بالترميم: أحجار البناء “البلوك” بكافة المقاسات، والرمل والبحص والإسمنت، وعروض لمختلف أنواع الديكورات المصنوعة من الخشب والحديد والألمنيوم، كالأسقف والأبواب والنوافذ. أصوات آلات منتشرة في كل مكان، إلى جانب أصوات مولدات الكهرباء وهي الحل الوحيد مع انقطاع التيار الكهربائي حوالي عشرين ساعة يومياً، وحركة ترميم لا يبدو بأنها تطال جميع المنازل، فتكلفتها أعلى مما تستطيع معظم العائلات تحمّله وقد بلغت نسبة البطالة في المنطقة أكثر من سبعين بالمئة كما يقول الأهالي.

******

الباب رقم 1

في منزل صغير وأنيق يقع على أطراف واحدة من بلدات الغوطة الشرقية، أجلس مع ماجدة وهي امرأة أربعينية تعيش مع أطفالها الثلاثة دون زوجها الذي توفي قبل حوالي ثلاثة أعوام.

تعدّ السيدة كوبين من الشاي الدافئ، وتعتذر عن تدني درجات الحرارة في الغرفة المخصصة للضيوف: “مافي باب ولا شباك”، تقول، وعلى وجهها ترتسم نظرة غريبة أحاول فهمها وأعجز عن ذلك. هي ليست حزينة، لكنها تشعر بالخجل ربما، وربما ببعض الغضب الذي تسعى لتحويله إلى ابتسامة باهتة لا شكل لها.

بعد أن عاشت ماجدة وعائلتها كل سنوات الحرب داخل الغوطة، ونجت بقدر من الخسائر، تحاول اليوم ترميم حياتها وكذلك منزلها نصف المدمر. تسعى للحصول على فرص عمل داخل المنزل، كإنجاز مهام تتعلق بإعداد المؤونة أو تغليف المواد الغذائية، فتكسب ما يكفي بالكاد قوت يومها هي وأطفالها.

“الباب سعره 100 ألف ليرة، وهي المية ألف منجيب فيها أكل وشرب لأكتر من شهرين”، توضح وكأنها تبرر البرد في الغرفة، بسبب عدم وجود الباب، وتتابع بوعود، لنفسها ولأطفالها، بأن يكون الشتاء القادم أخف وطأة حيث أنها ستسعى خلال أشهر الصيف للحصول على باب “من كل بد”.

******

الباب رقم 2

بلدة أخرى. منزل مشابه. سلام مع زوجته وطفليه. يعمل الرجل الخمسيني في أحد الحقول القريبة كعامل مياوم في مختلف مهام الزراعة، ويسعى إلى جانب تأمين مستلزمات الحياة الأساسية لإعادة ترميم المنزل المتضرر بشكل كبير.

كما ماجدة، يعتذر سلام وزوجته عن “الطقس البارد جداً” داخل المنزل. “والله البواب كتير غالية، وما حدا عم يرحم حدا هالأيام”، يقولان.

منذ أشهر يحاول سلام ادخار بعض النقود خصيصاً للباب، دون أن ينجح، فارتفاع الأسعار غير المسبوق خلال أشهر الشتاء الأخيرة كان كفيلاً باستهلاك كل ما يجنيه، بل وحتى مراكمة بعض الديون.

“جربنا نحط نايلون سميك، طلع هوا قوي خزقه وشاله من محله، قلنا خلص منضل من دون باب ومن دون نايلون لحتى الله يفرجها وتخلص هالشتوية”، عبارة لا يمل سلام من ترديدها على كل زوار منزله، مبرراً بذلك حال الغرف الباردة، ويتابع بأن الوسيلة الوحيدة التي يحصل ولداه من خلالها على الدفء هي التدثر بالبطانيات الرمادية السميكة الخشنة، حتى ينهكهما النعاس ويناما.

******

الباب رقم 3

بعد معاناة طويلة تمكن يامن أخيراً من الحصول على باب لمنزله في إحدى بلدات الغوطة الشرقية، شريطة أن يدفع لصاحب الباب أجرة شهرية تعادل سبعة آلاف ليرة سورية.

“رجعنا على البيت لقيناه مكسر، بلشنا نصلح طلعت التكلفة عالية كتير”، يقول الرجل الستيني والمعيل لأسرته المكونة من خمسة أفراد.

حاول الرجل اللجوء لما يعرف باسم “سوق الحرامية” في حي كشكول القريب، حيث تباع مختلف أنواع البضائع التي يقال بأن بعضها مسروق والبعض الآخر مشترى من أصحابه، بأثمان تقل عن أسواق المدينة الأخرى. “بسوق الحرامية، أو اللي بيقولوا عليه سوق التعفيش، أبواب أشكال ألوان، بس والله ما طلع من قلبي آخد باب من هنيك”.

لم يجد الرجل حلاً لتأمين بعض الدفء لعائلته سوى في ذلك الباب المستأجر. “ما حدا معه حق مازوت ولا غاز ولا حطب. وبيضل الباب أحسن من ولا شي”.

******

في غوطة دمشق الشرقية، تعيش آلاف العائلات في منازل دون أبواب، وتمتلئ محال النجارين بأبواب من مختلف الأحجام والألوان والأشكال، دون أن يكون لتلك العائلات القدرة على شرائها، أو حتى استئجارها.

بداية، شعرتُ بالحزن والأسى على ماجدة وسلام ويامن، وهم يعيشون مع عائلاتهم دون تلك الأبواب. ربما يشعر يامن ببعض الراحة، لكنه دون شك قلق من انتهاء فصل الشتاء واضطراره لإعادة الباب المستأجر، ومن ثم التفكير بحل جديد للشتاء القادم.

اليوم أشعر ببعض الخوف أيضاً. ماذا لو أرادت ماجدة أو سلام أو يامن أن يحكوا لأطفالهم قصة زوار منتصف الليل قبل نومهم؟ كيف لهم أن يخبروهم بأن عليهم أن يوصدوا الباب جيداً لئلا يدخل الغرباء الأشرار إلى المنزل في غفلة عنهم وهم نيام؟ ربما عليهم أن يخترعوا حكاية جديدة، تتحدث عن ستارة وهمية لا لون لها تحل محل الباب، ولها قدرات خارقة يمكن أن تحمي الأطفال من الأشرار، ومن برد الشتاء أيضاً.

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر