أحلام مستغانمي بين الاستحقاق والخدعة!

هنادي العلي

اللغة هي عصا أحلام مستغانمي السحرية، أو على ما يبدو هي الأداة التي استطاعت أن تنتقم فيها من عقوق الشعر لها فمن يتتبع أعمالها الأدبية، يرى النفس الشعوري متوهجاً، ولكنه نفسٌ وُلِد ناقصاً ولم ينضج، فهربت بلغتها ووظفتها بشكل سردي، فهي تتبع سياسة التنميق والبهرجة في الكلمات والألفاظ التي تحوي بعضاً من السجع، والصور البرّاقة والتناقض، وربما تريد بذلك أن يقال عنها إنها عرّابة اللغة!.

مرد انبهار القرّاء بجمالية لغة أحلام مستغانمي، يعود إلى إسرافها حد التبذير في استعمال الأسلوب الشعوري كثيراً، تركّز على الشكل متجاهلة الفكرة، والشخصيات، والحبكة، والخط السردي حتى تبدو رواية مليئة بالحشو والتعقيد غير المبرر.

ولكن هل ترتكب الكاتبة الجزائرية جريمة لغوية، عندما تهرب من الشعر الذي عقّها، فترحل إلى الرواية، حاملة جينات ميتة من بقايا شعر ميت؟ أم أنها في البداية كانت روائية ضحلة في لغتها، فتطفلت على الشعر ووفقت في توظيف لغته، من خلال الصور التي أدخلتها في متاهة الفشل الذريع بتصنّع قوانين جديدة للرواية؟.

“ذاكرة الجسد”، “فوضى الحواس”، “عابر سرير”، الثلاثية التي حصدت ملايين المعجبين، هي ثلاثية واقعية جداً، حتى أنها تلامس الحضيض في لحظاتها، الحبكة كانت ضائعة، المخيّلة محدودة، ضيقة النظرة، فقارئ هذه الثلاثية لن يجد مساراً روائياً محدداً. بل الحبكة تبدو خجولة، أو على الأقل لم تكتمل ولادتها في أسطر الرواية.

المصادفة أسهل الحلول التي تلجأ لها كحل أساسي ومخرج للكثير من المآزق، التي تضعها أمام الأبطال. كما أن الروايات الثلاثة متطابقة فكرياً، لا تحتوي على التجديد، بل المزيد والمزيد من الدفقات الشعورية التي تتكفل عصاها السحرية بإخفاء المزيد من العيوب.

تستحق لغة أحلام مستغانمي الشهرة، وتستحق فكرتها الموت؛ فهي اعتمدت نمطاً من الكتابة الروائية التي تستند على مبدأ التأمل الاسترجاعي للذاكرة، عبر استخدامها لمفرداتٍ وتراكيبٍ قد تمّ استخدامها من قِبل الأسلاف في سياقات متنوعة، وهذه التراكيب ما تنفك تنتج دلالات متغيرة وباستمرار: الحب، السياسة، والفن، هي أساس الخطاب النسوي السردي والتي أقامت مستغانمي مستعمرتها اللغوية والتي لا تخلو من تحدّ، وجرأة، وتطرف، وقسوة.

على الرغم من أن الواقع منبعها، والتجارب بئرها الذي لا ينضب، كان التفاعل النصي الذي يدمر القيم والعادات والمفاهيم الواقعية السائدة، فاستطاعت أن تبتلعها وتعيد إنتاجها عن طريق الانزياح والانحراف.

أبطال أحلام مستغانمي هم صنيعة لغوية، وصنيعة الخيال والحلم الذي لا هوية له، ففي الواقع أبطالها يكونون مسرحاً لتفكك القضايا أكثر من كونهم شخصيات إنسانية متغيرة الرؤية.

فهي تلبس شخصياتها الأقنعة إلى حد طمس هوياتهم، فلا تعرف في ثلاثيتها هوية الراوي أهو زيان، أم خالد بن طوبال، بل لا يستبعد أن يكون والدها المناضل! أو ربما تكون قد ابتدعت شخصية من الخيال وألبستها حلة الواقعية لدرجة أعطتها الصدق الأدبي، وكأنها كائنٌ حي ينبض في بقعة من العالم.

في كل رواياتها تتكرر مقولات الواقعية النقدية، فمن الضرورة أن يطابق الفن واقع الحياة. وهي تجنح إلى هذه الواقعية من خلال السرد، الذي يكتسب قدرة على تجسيد الواقع حتى ولو كان الوصف مستمداً من الخيال.

وفي واقع الحال  تعتمد مستغانمي على أكثر من اتجاه واقعي، فتعتمد الواقعية الفوتوغرافية والواقعية العاطفية..

العصا السحرية لدى أحلام ستعصيها يوماً ما، ولكن ليس قبل أن تلبي مطلبها في ابتداع لغة جديدة كما حصل في كتاب “نسيان”، لغة ثالثة تقارب ما بين الفصحى والعامية، جعلها في بداية السقوط ونهاية الازدهار، على الرغم من أن هذه اللغة جذبت القراء، وأكسبت كتابتها السردية السحر الخاص الذي بعث في نفس القارئ شعور الانسجام، دون تدنٍ في تذوق العامي ولا مغالاة بالفصيح الرسمي.

وفي الختام ربما نجد أن أحلام وضعت مقولة الرافعي نصب عينيها، حيث قال: (وما ذلت لغة شعب إلا وذل) حتى نراها في كتابها الأخير، “شهياً كالفراق”، ترفع جمالية اللغة وتنمقها وتزينها.. ولكن الكاتبة المعنية باللغة إلى هذا الحد ستُذل من هذا الباب بالتحديد. فهي لم تصنع لنفسها مكاناً خاصاً تأوي إليه، سراً خاصاً تخبئه كإرث مقدس بعد فنائها..

بل يحدث أن هناك الكثير ممن استطاع تقليد أحلام مستغانمي، كتاباتها، نفَسها الأدبي والروائي.

ويمكننا القول في النهاية: المقلّد من المقلّد كالوارث من أبيه.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر