أحلام من فوق الأساطيح!

فاطمة عمراني

“الإفلاس، المرض، التعب، الازدحام، وفاة الجد، وحتى الشلل الرباعي، كل هذه الأعذار لن تسمح لكِ بالتملص من سهرة رأس السنة الميلادية السنوية مع الأصدقاء. ستأتين بالتأكيد”، قالت سمر تلك الكلمات على عجل وأغلقت الخط.

في هذا الموعد من كل عام، تحاول سمر (الملقبة بمديرة الشلة)، التجهيز لهذه السهرة قبل معادها بشهر، تتصل بالمطاعم لتحصل لنا على العرض الأنسب لجيوبنا المقفرة، تنسق عمليات شراء الهدايا الأنسب لكل فرد من أفراد المجموعة ليتم تبادلها في ساعة الصفر، تختار الأطباق المفضلة للجميع والتي غالباً ما تستقر على بعض الوجبات السريعة والمشروبات الغازية والأراكيل.

لكن سهرة رأس السنة للعام 2020 كانت مختلفة، الظروف المعيشية الصعبة جعلت كل منا يضطر لإشهار إفلاسه بشكل واضح وصريح للتملص من هذه السهرة التي باتت الآن رفاهية بحتة، إلا أن مديرة الشلة أبت أن ترضخ، وعلى سطح بيتها المتواضع في الدويلعة، أشعلت سمر النار في تنكة معدنية صدئة لنجلس حولها، فيما أعدت والدتها كمية كبيرة من شرائح البيتزا المنزلية مع مشروبات غازية وأربع أراكيل كالمعتاد.

وبمزيج من صوت اشتعال النار وصوت صرصور الليل، قررنا في تلك الليلة أن نناقش قضايا مختلفة، فلم تكن الثقافة والأدب والعلوم محور حديثنا، اتجهنا لمناقشة قضايا أكثر خفة، تناسباً مع جو العيد، ناقشنا إنجازاتنا وأحلامنا، مع قناعتنا التامة بأن مجرد التفكير في أية إنجازات أو أحلام هنا والآن يعتبر ضرباً من الجنون.

“حافظتُ على أعضائي الحيوية سليمة، وعلى رأسي بين كتفي”، قالت نور مع ابتسامة ساخرة، فهي لم تخطط لأي إنجاز يذكر في ظل هذه الظروف، مجرد بقائها على قيد الحياة هو إنجاز يستحق التكريم. أما الحفاظ على سلامتها النفسية والعقلية فهو أمر مشكوك بصحته. وتحلم نور بالاستمرار في إنجازها آنف الذكر دون التعرض لإحدى الجلطات أو السكتات القلبية والدماغية التي تلوح بالأفق في ظل الظروف الراهنة.

عُلا لم تجد إنجازاً يستحق الذكر أكثر من قدرتها على إثبات جدارتها في الرقص الشرقي في عرس ابنة خالتها، حيث أثارت إعجاب أم العريس المستقبلي – الذي بات خطيبها الآن – دوناً عن سبع وعشرين فتاة يتصارعن على منصة الرقص. وعن أحلامها تؤكد علا أنها ستسعى بجدٍ لتعلم طبخ المحاشي والكبة هذا العام وربما تجد مكاناً مناسباً لشهادتها الجامعية في التجارة والاقتصاد لتعلقها على حائط المطبخ.

أما سمر فوجدت أن إنجازها الأعظم هو حصولها على الوظيفة التي لطالما حلمت بها، في إحدى أهم الشركات المحلية، وبالرغم من كون مرتب وظيفتها الحالية (والتي تتطلب تفرغاً تاماً) أدنى بكثير من مجموع مرتبات وظائفها السابقة، إلا أنها لا زالت حلماً لطالما سعت إليه حتى ظفرت به.

على سطح منزل سمر، وحول تنكة صدئة تشتعل فيها بضع قطع خشبية مع أحلام أربع فتيات، كنت كبقعة مياه راكدة على قارعة طريق منسي، لم أجد أنني قمت بأي إنجاز يستحق الذكر، لم أحافظ على سلامتي الجسدية والنفسية، لم أرتبط ولم أتزوج، لم أجد وظيفتي التي أحلم بها، ليس لدي أحلام أو طموحات تذكر.

كانت أمنيتي الوحيدة أن أطيل النظر في النار المشتعلة في التنكة الصدئة، دون أن يلسعني قيظ واقعي، ودون أن أرى أحلامي تتحول إلى فحم أركيلة!.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر