200 مليون ليرة على الناصية الأخرى!

شام الحريري

“200 مليون ليرة.. الجائزة الكبرى.. 200 مليون ليرة”، عبارة تكاد لا تفارق مسمعي في كل طريق تشاء الصدفة ان أعبره، في كل منعطف أجتازه، وحتى في كل حلم أحلمه. ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل أصبحت أبحث عن الإشارة السماوية التي توحي لي بأن هذه الجائزة من نصيبي أنا، وبت أحصي الأيام القليلة التي تفصلنا عن هذا الحدث السنوي بفارغ الصبر، وأحلم بالظفر بجائزة يانصيب معرض دمشق الدولي الكبرى.

أكاد أجزم بأنني لست وحدي من يخالجه هذا الشعور المربك عند سماع أحد بائعي أوراق اليانصيب وهم يصيحون بأعلى أصواتهم “200 مليون ليرة جائزة اليانصيب لآخر السنة”، جميعنا يراقب ويبحث عن تلك الإشارة السماوية، فخسارة 2000 ليرة في هذه الأيام العصيبة تعتبر مأساة حقيقة ولاسيما أننا في آخر الشهر، شهر الأعياد والاحتفالات، وليس من السهل اتخاذ مثل هذا القرار الذي قد ترجح كفة الخسارة به على الربح.

اليوم، بعد أن انتهاء دوامي في الجريدة وبطريق عودتي للبيت، جاءني ذلك الصوت الذي أحاول جاهدة تجاهله، فالإشارة السماوية لم تصلني بعد، وأنا لست على استعداد أن أودع السنة بخسارة جديدة، لكن الأمر لم ينته بتجاهلي لذلك الصوت، وإذ بسيارة مرسيدس مسرعة تجعل الأرض بدلاً من السماء تمطر علي وحلها، فمطر السماء لم تبتلعه شوارعنا، بل حافظت عليه كبحيرات صغيرة من وحل الشوارع المحفرة، هنا أدركت أنها الإشارة التي أنتظرها، قد تكون إشارة من نوع آخر لكني ثابرت لجعلها تبدو على هيئة الوحي الذي لطالما انتظرته ليخبرني بأنه علي شراء تلك الورقة اللعينة، ها أنا ذا اتخذت قراري بالشراء، أمشي بخطى ثابتة نحو جائزتي التي تنتظرني، أصبحت أخطط للبيت الذي سوف أشتريه، في أي منطقة؟ وعلى ماذا يطل؟ كم عدد الغرف؟ وكذلك المطبخ فهو يعني لي الكثير. أعتقد أني سأترك الصحافة وأتفرغ للطبخ، وقد أفتح مطعما صغيرا إلى جانب بيتي الذي سوف أشتريه، فهي مهنة لا تحتاج فيها أن تكبح بهاراتك كما هو حال قلمك المكبل بألف قيد، سأنال الحرية بالتعبير في طبخاتي ولن يمنعني أحد من أن أعبر عن نفسي بتلك الطبخات، كما أظن إني بحاجة إلى سيارة لأهون على نفسي عناء ركوب باصات النقل والسرفيس وكذلك التكاسي التي لا أقوى على ركوبها إلا في أول أيام الشهر وعند الضرورة القصوى طبعاً.

ماذا عساي أن أشتري أيضا؟ لعلي سأودع الباقي في البنك.. آه يا لأحلامي تلك التي ستخرجني من هنا لأحققها، فهذا المبلغ لا يحقق لي الكثير من أحلامي إن قررت العيش في دمشق، فأسعار البيوت تعانق عنان السماء، وربما أستغني عن فكرة المطعم إن غامرت واشتريت لي منزلا فيها، لذلك لا بأس بالعيش في أحد الضواحي والبدء بتحقيق أحلامي من هناك.

كذلك سأشتري الكثير من الثياب والأحذية التي أراقبها على واجهات المحلات التي تحمل كل واحدة رقماً يشبه رقم هاتف منزلنا الأرضي، لا بأس لعلي سأشتري واحداً قد يكون مريحاً جداً ويساعدني على تحمل ساعات العمل الطويل في المطعم.

بيت ومطعم وسيارة وكل ما أرغب به أصبح على بعد ثلاثة أمتار مني فقط، فهناك يقف بائع اليانصيب الذي سيحقق أحلامي.

أحلامي نفسها التي تبددت بلحظة مع رسالة صديقتي التي تشاركني بيت الأجار الذي نعيش فيه: “جرة الغاز خلصت حطي ببالك لازم نغيرها فوراً”.

كانت هذه العبارة كفيلة بأن أتراجع عن هذه الاحلام وعن قرار الشراء من أصله، والأهم من ذلك ألا أفوت الفرصة لأشتم ذلك السائق اللعين صاحب سيارة المرسيدس لكن في سري “لضرورات أمنية”.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر