الحب لا يثمر في هذي البلاد!

علي حسون – الأيام

كان حباً من النظرة الأولى، وما زلت أؤمن بأنه كان مقدّراً لنا منذ اللحظة الأولى. غياب مدرس العلوم دفع الإدارة لاتخاذ إجراء عاجل بإنزالنا إلى باحة المدرسة للتخلص من شغبنا وأصواتنا التي وصلت إلى الصفوف الأخرى.
في الباحة كان طلاب الصف الثامن برفقة أستاذ الرياضة، يقومون بتمارين الإحماء قبل أن يتم توزيعهم “جندرياً” على ملعبين: كرة القدم للذكور، وكرة اليد للفتيات.
في تلك اللحظة التقت عيوننا، اشتعلت الشرارة، ما لبث أن أعقبها تسارع في دقات قلبي، اجتاحتني رعشة غريبة، فيما كان وجه زينة المدوّر كرغيف خبز يتورد وينضج على وقع النار التي اشتعلت للتو.. علمنا كلينا أننا وقعنا في الحب لا محالة.
كان لزينة عينان كعيني غزال؛ داكنتان برموش طويلة، وثغر صغير لكنه قادر على رسم أجمل ابتسامة في الكون. أما شعرها الغجري الأسود فقد تم جمعه بعناية على شكل “كعكة” بدت وكأنها تاج على رأس ملكة.
كنت في الصف التاسع، وكانت هي في الثامن عندما بدأت قصة حبنا التي لن تستمر لأكثر من ثمانية أشهر. كانت حالة من العشق المكثّف وكأنه خمرٌ استخلص من عنبٍ تم تعتيقه لسنوات لينتج نبيذاً أحمر بطعمٍ لا يضاهى.
خلال فصلين دراسيين غير مكتملين، عشنا قصة حب سحرية، تبادلنا عشرات الرسائل عبر مرسالنا “أحلام” التي كانت صديقة زينة المقربة وجارتي في الحارة. كانت زينة تأتي يومياً من قرية مجاورة للدراسة في مدرسة قريتنا، فبتّ مدمناً على انتظارها أمام باب المدرسة، أترقب نزولها من الباص لنتبادل النظرات نفسها، لم نكن نحتاج للكلام قط، نغرف بالعيون حباً لا ينضب فلا نشبع، وتجتاحني في كل يوم نفس المشاعر التي شعرت بها في أول نظرة.
تنزل زينة من الباص يومياً وتتجه نحوي، تعطيني وردة جورية حمراء وتبتسم تلك الابتسامة الساحرة التي تجعلني أسعد مراهق في العالم.
في بعض الأحيان كانت تحضر لي معها سكاكر وشوكولا من دكان أبيها.
في المدرسة، كنت وزينة محبوبان من معظم المدرّسين، كنا من المتفوقين. لم أكن أوفر فرصةً لرؤيتها، كنت أقفز مسرعاً عندما يطلب أي مدرس “مسّاحة” لمسح السبورة، أو طبشور. أتوجه إلى الصف الأبعد في الطابق والأقرب إلى قلبي، صف زينة.
أطرق باب الصف، أفتح الباب، وقبل أن أطلب من الأستاذ الموجود “مسّاحة السبورة” أوجّه عينيّ إلى مقعد زينة، أغرف ما استطعت من الفرح، ثم أبتسم فتبتسم، فيما ترمقنا نظرات الطلاب والأستاذ الذي يعاجلني بالسؤال: ماذا تريد.. فأجيب وعيناي ما زالتا تغرفان فرحاً: بدي المسّاحة أستاذ، فيضحك ويضحك معه الطلاب “ما في بكل الصفوف الثانية مسّاحة غير هون”؟
لم يكن يعنيني أن يعرف جميع من في المدرسة بقصة حبنا، في الواقع كانوا جميعاً يعرفون، فنظراتنا تفضحنا، ولكنني طالما شعرتُ بأن الجميع متواطئون مع حبنا بشكل أو بآخر.
إلا أهلي، كان احتمال معرفتهم بقصتي أشبه بكابوس بالنسبة لي، لأن ذلك يعني أن أتحول إلى مادة للسخرية من أخوتي الأكبر، وخاصةً أنهم لاحظوا تغيرات واضحة في سلوكي ودراستي، وأنا طالب الشهادة الذي يتوقعون منه معدلاً عالياً في الصف التاسع. كثيراً ما كنت أُضبط شارد الذهن أو على شباك المطبخ المطل على الطريق أستلم من أحلام رسالة من زينة، أما حين يتحلق الجميع حول طاولة الدراسة مساءً فكنت أتذرع بشتى أنواع الحجج كي أخرج، للاختلاء بنفسي سارحاً مع زينة ورسائلها وحبنا الذي يزداد اشتعالاً.
كان ياسر هو ملاذي الوحيد، وصديقي الأكثر حماساً لقصة حبي مع زينة، حتى تحول إلى خازن أسراري ورسائلي أيضاً. ابتدع مكاناً عبقرياً ليخفي الرسائل التي كانت تصلني من زينة خلف صورة قديمة ببرواظ خشبي كبير معلقة على جدار الصالون. كانت مخبأً غير متوقع لا يمكن أن تصله أيدي أخوته التسعة. وضع ياسر الرسائل بين الصورة وقطعة الخشب الخلفية، وبقيت فيها لأشهر دون أن يكتشفها أو يشك بوجودها أحد.
فيما بعد، كان عليّ أن ألتقي زينة، ذلك أنني توقفت عن الذهاب إلى المدرسة منذ أوائل نيسان، استعداداً لفترة المراجعة وتالياً الامتحان. قررت أنه حان الوقت لرؤية زينة بعيداً عن المدرسة وعيون الفضوليين. كانت المرة الوحيدة والأخيرة التي نلتقي لوحدنا. ذهبت بصحبة ياسر إلى قريتها سيرا على الأقدام، مشينا لثلاثة كيلو مترات حتى وصلنا. كانت زينة في دكان أبيها، عندما رأتني نادت على أختها الأصغر لتحل محلها، خرجت وسبقتني إلى بستان الليمون المجاور للمنزل، لم نتحدث كثيراً، فقط كنا ننظر في عيون بعضنا البعض، عبّرت لها عن اشتياقي وزرعتُ قبلةً على خدها ثم أتبعتها بقبلة على شفتيها الصغيرتين. باغتتني بعدها بسؤال: هل ستتزوجني؟ وقفت مصعوقاً لا أملك إجابة! بكت زينة وعادت مسرعةً إلى بيتها، فيما بقيت لدقائق أفكّر بما حصل وبطلبها الغريب.. لأعود إلى ياسر الذي كان ينتظرني على مفرق قريب، قصصتُ له ما جرى، أصابته الدهشة أيضاً، غرقنا نحن الاثنان في الصمت طوال طريق العودة.
لم أتلقَ بعدها أية رسائل من زينة، ولم أعد أرى أحلام في الجوار. انتهت الامتحانات ونجحت إلى الصف العاشر. وكان عليّ الالتحاق بمدارس أبناء الشهداء بدمشق. تركت القرية ولم يفارقني طيف زينة التي انقطعت أخبارها تماماً. أول رسالة وصلتني في مكان إقامتي الجديد كانت من ياسر يقول فيها بحزن بالغ: “لم أكن أريد أن أخبرك، لكن زينة تزوجت “خطيفة” وهربت مع غسان – وهو شاب يكبرنا بثلاث سنوات كنا نعرفه في المدرسة كأحد الشبان الطائشين سيئي السمعة – لأن أبيها كان يستعد لتزويجها من رجل يكبره بالعمر.
في هذه اللحظة كرهتُ عمري – بالمعنى الحرفي- تمنيت لو كنت أكبر بعشر سنوات، لكنتُ ربما استطعتُ أن ألبي طلب زينة الأخير.
ومنذ تلك اللحظة، بات الزمن عدوي اللدود، أحاربه بكل ما أوتيت من عناد؛ لبست ثوب الوقار في مراهقتي وشبابي، لأنزعه اليوم فأعيش كطفلٍ لاهٍ في مواجهة الآلام والمصائب التي ألمّت بأهله وأحبابه. أحبّ أن أعتقد بأنني أعاقبه على ما فعله بحبي، لكنني ألتمس العذر له أحياناً؛ فالحب كما الاحلام والحقوق، لا يثمر في هذي البلاد الحزينة!

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر