الجامعة التي تحول غيفارا إلى موظف ديوان!

مروة ياسين – الأيام

شعر طويل وأشعث.. ذقن غير مشذبة.. وملابس فضفاضة.. وألوان غير متناسقة.. “إذا هو طالب فنون جميلة”، هذا ما قلته لنفسي بما يشبه الحكم المطلق غير القابل للشك عن شاب مر بجانبي تجتمع فيه كل تلك الصفات، ومع أنني صادفته في مكان بعيد عن كلية الفنون، ولا يحمل أياً من الأدوات التي تدل على دراسته أو عمله، إلا أن حكمي أطلق وكان غير قابل للطعن علماً أني حاولت.
بات من المعتاد في بداية كل عام دراسي أن تظهر تلك الفئة من الشباب الجامعي، وغالباً طلاب السنة الأولى المستجدين والمتحمسين الذين لا يخفى على أحد محاولاتهم في تقمص أحد أهم الشخصيات الناجحة في تخصصهم، كما أنه لا ينكر لهم المجهود الكبير الذي يبذل بتمثيل تخصصهم وإثبات ذاتهم وإبرازها بتفاصيل مظهرهم بكل ما أُوتوا من قوة وجرأة، خاصة إن كان التخصص الجامعي يتطلب جرعة مبالغة زائدة عن بقية الأقسام.
يعرف عن طلاب الفنون الجميلة، مثلاً، هذا المظهر، ولن يثبت الطالب أنه فنان ومبدع و(بيكاسو) إلا إذا ارتدى ملابس لا تنتمي لهذه الحقبة الزمنية أصلاً، وإلا إذا أطال شعره، سواء قام بربطه أو أراد أن يعطيه حريته ليُنكش ويتجه في جميع الأنحاء..
إضافة إلى بعض التصرفات الواجب القيام بها داخل الكلية لزوم إثبات الشخصية الفنية، مثل الجلوس في أي مكان وبأي وضعية، وقد يتطور الأمر إلى النوم في أروقة الكلية، والأهم من ذلك كله أن يتعلم لف الدخان العربي، مع حركات محددة في طريقة التدخين..
مثل طلاب الفنون مثل طلاب الكثير من أقسام أخرى ممن يتفننون أيضاً، وإليكم بعضاً من هذه النماذج:
يحمل مسطرة طويلة بطريقة غريبة يكاد يفقأ بها أعيُن المارين بجانبه، إذاً هو مهندس معماري أو مدني حيث يسير في أول أيام الجامعة ويضع بذهنه بأنه سيكون ثاني أفضل مهندس عربي بعد زها حديد.
يضع شالاً ويرتدي لباساً رسمياً ويحمل جريدة، لا يقرأها حتماً، ويصفن كثيراً لينتقد كل نشرات الأخبار والبرامج بلا رحمة.. إذاً هو طالب إعلام.
تكثر من وضع “المكياج” أو يكثر من الكريمات المثبتة للشعر إضافة للاهتمام المبالغ به في الملابس.. إذاً هو طالب في أحد أقسام كلية الآداب.
يرتدي لباس ملائكة الرحمة في كل مكان ليوشك أن يلتصق بجسمه.. هناك احتمالان: فهو إما طالب في كلية الطب أو أنه يخدع من لا يعرفه بلباس الطبيب ذاك، فهناك عدة أقسام تتطلب ارتداء ذات اللباس الأبيض الملائكي.
لكن لا تلبث تلك التصرفات أن تتبدد بعد انتهاء الفصل الأول، أو إن طالت المدة فبعد انتهاء السنة الأولى، وذلك حسب صعوبة مواد التخصص التي ستثني أغلبهم عن تطبيق تلك التفاصيل الشكلية شيئاً فشيئاً، ليبدأ الطالب بالانهماك في وظائفه ومواده (في حال كان يهمه الأمر في أولى السنوات الدراسية)، إلى أن يصل إلى السنة الأخيرة وقد أُنهك من ملل الدراسة والدوام والجامعة كلها أصلاً.
ذلك الحكم الذي أطلقته على شاب مر بجانبي لمجرد بضعة تفاصيل شكلية، يعكس أحكاماً نمطية اعتدنا اتخاذها بسرعة وبكل يقين ودون أي رغبة في التدقيق والمراجعة. ولكنه أيضاً ردة فعل مبررة على الرغبة الهوسية والمتسرعة في إثبات الذات والتميز لدى اولئك الذين بدأوا للتو أول خطوة نحو اختيار مهنة المستقبل.
هل السخرية هي ما تستدعيه هذه الظاهرة؟ على الأرجح لا، فأن يبدأ الشاب حياته الدراسية بـ “بيريه” غيفارا، أو شاربي سلفادور دالي، ثم يختم سنته الأخيرة بمظهر موظف الديوان في مؤسسة حكومية، هو أمر يدعو إلى الحزن والتعاطف.. فضلاً عن أنه يروي حكاية مؤلمة عن أحلام سريعة التبدد ومآلات لا عزاء فيها.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر