كرسي شاغر في عيادة طبيب الأمراض النفسية

فاطمة عمراني – الأيام

“أنا الفتاة التي اتصلَت صباحاً”، همستُ بأذن السكرتيرة في عيادة طبيب الأمراض النفسية.
قادتني الموظفة إلى غرفة صغيرة حيث ينتظر مرضى آخرون. كان هناك شاب أصهب، فتاة بنظارات طبية سميكة، رجل يرتدي جلابية، امرأة أربعينية تحمل كيساً أسود وتتلفت حولها باستمرار.
فتح الطبيب باب غرفة المعاينة مشيراً للسكرتيرة كي تدخل المريض التالي، “السيد خلف” صاحت السكرتيرة فنهض الرجل ذو الجلابية، وطلبت مني السكرتيرة الجلوس في الكرسي الذي بات شاغراً بعد أن دخل خلف لغرفة الطبيب.
وقبل أن أتململ على الكرسي، قالت السكرتيرة بصوت جذب أسماع الجميع “الآنسة فاطمة كم عمرك؟ وماذا تعملين؟ أين تقيمين؟ هل تعانين من أية أمراض عضوية؟ ضغط؟ قلب؟ أو غيرها؟ ما سبب زيارتك؟”. سيل من الأسئلة واجهتني به الموظفة، حاولت التملص من نصفها لكنني لم أنجح.
“أفضل أن أشرح الحالة التي أعاني منها للطبيب” أجبت عن سؤالها عن سبب الزيارة، فاعترضت بحجة أنها بحاجة لتدوين بعض المعلومات الأساسية عن المريض. بصوت خافت أجبتها: ” نوبات هلع”. وقبل أن أعطيها فرصة لطرح مزيد من الأسئلة عدت بسرعة إلى مقعدي الذي لا زال شاغراً.
بعد نصف ساعة من الانتظار، كسر جمود الغرفة صخب أثارته فتاة بمعطف أحمر فاقع دخلت للتو، حملقت الفتاة في المرضى واحداً تلو الآخر ثم قالت للسكرتيرة بصوت متهدج: “أريد أن أدخل الآن، إنهم يلحقون بي، قريباً سيعرفون مكاني، لن يرحلوا قبل أن يأخذوني معهم، سيضربونني بشدة، سيقتلونني..”. هدأت السكرتيرة من روع الفتاة، وغابت قليلاً في غرفة الطبيب في الوقت الذي كانخلف يخرج فيه من غرفة المعاينة.
“هذه أوامر الطبيب، الحالة مستعجلة”، قالت لنا السكرتيرة ذلك وأدخلت الفتاة، احتجت المرأة ذات الكيس الأسود بأن الحق حق، وأنها كانت أول المنتظرين منذ أكثر من ساعتين، وافقها الشاب الأصهب بإيماءة رأس فقط، ويبدو أنه لم يجد من الحكمة التمادي في التذمر خشية أن يتضايق الطبيب ويقابل وقاحته بجعله ينتظر وقتاً أطول. فيما لذت أنا وفتاة النظارات الطبية بالصمت.
التفتت المرأة ذات الكيس الأسود إليّ متسائلة “ماذا تقصدين بنوبات الهلع؟ هل تختبئين تحت اللحاف عندما تصيبك؟”، واجهتُ سؤالها بسؤال “هل تعتقدين أن الدكتور شاطر؟”. ثبّتت المرأة نظرها على الكيس لوهلة ثم قالت: “لقد كنت في السوق قبل أن آتي إلى هنا، اشتريت معطفاً جلدياً لابنتي، وضع البائع المعطف في الكيس وأعطاني إياه، كان هذا منذ نحو أربع ساعات، كما ترين فقدت الكيس، كلا، لم أفقده، نسيت أين وضعته، أكاد أجن من هذا النسيان، أخشى أنني سأنسى اسمي وعنواني وهويتي قريباً، سمعت بهذا الطبيب مؤخراً من قريبة زوجي فأتيت من السوق مباشرة إلى هنا”.
اقتربت فتاة النظارات ورفعت عن كمها، كانت الندوب الناتجة عن كشط الجلد بشفرة حادة حديثة وواضحة،” حاولت الانتحار أمس” شهقت المرأة ذات الكيس الأسود، فيما حافظتُ على ثبات وجهي الخالي من أي تعابير.
” أخبرني أمس أنه لا يريد أن يستمر في العلاقة، كنت متأكدة من وجود فتاة أخرى في حياته، بالأمس وضع صورة لهما سوياً على الفيسبوك، وكتب عليها طال انتظاري لهذه اللحظة، لقد كان ينتظرها، وأنا كنت عديمة الأهمية، لم يكن يحبني، لا يمكن لأحد أن يحبني”.
لم ينبس الشاب الأصهب بكلمة، وقد أخفى سخريةً مبطنة، هل يعقل أن يقدم أحد على الانتحار لمجرد أن حبيباً خانه؟! بدت له الفكرة سخيفة ولا تستحق حتى مبلغ السبعة آلاف ليرة، وهي أجرة معاينة الطبيب.
أما أنا فقد أدركت أننا هنا جميعاً مرضى نفسيون جالسون على كراسٍ شاغرة في قبو على هيئة قاعة انتظار باردة كقبر، في هذه القاعة نحن مرضى، أيضاً في الخارج كلنا مرضى، وكنعاة على قبر ميت، نبكي بصمت على خيباتنا، آلامنا، ذكرياتنا، وحتى نسياننا.
لن أخبر الطبيب أنني أعاني أرقاً شديداً منذ أشهر، لن أخبره أن نوبات الهلع سببت لي تسرعاً في خفقات القلب، اضطراباً في الجهاز الهضمي والتنفسي، رعشة وارتجافاً في أطرافي، ثقلاً في الرأس مع صداع ودوار، لن أعرف كيف سأجيب عن سؤاله “منذ متى تعاني هذه الأعراض” فأنا لا أذكر تماماً.
سأحتار أيضاً في إيجاد جواب دقيق عن سؤال “ما سبب نوبات الهلع التي تصيبك؟”. وقبل أن يحين دوري، استأذنت السكرتيرة في الخروج لأدخن سيجارة. ولم أعد أبداً للعيادة.
على الكرسي الذي كان شاغراً في قاعة انتظار عيادة الأمراض النفسية، أدركت الحقيقة. لم تكن المشكلة يوماً في جسدي، ولا شكلي، ولا سنواتي الخمس وعشرين التي لا أذكر منها إلا ومضات، ولا وظيفتي البائسة، كما لم تكن في المال الذي ضيعته أو تقاعست عن كسبه، ولا في من عرفتُ من الناس ولا في من هجرت، وليست بالتأكيد بسبب أخلاق الناس، الناس أيضاً مثلي لا حول لهم ولا قوة.. فكرتُ بأنهمجميعاً يحتاجون لجلسات علاج نفسي في عيادة هذا الطبيب.
لم تكن المشكلة أبداً فيما حولي، ولم يكن لشيء أو لإنسان أن يمنحني السعادة أو يسلبها مني، وإن كررت ذلك مراراً وتكراراً في نومي وفي صحوتي.
الآن أعرف مأساتي الحقيقية، إنما تكمن في داخلي، وفي تجاويف ضلوعي، في علاقتي المرتبكة مع ذاتي، قبولي الهش بها وهربي الدائم من مواجهتها. مشكلتي في تبلدي، ثبات ملامح وجهي وخلوّها من التعابير، مشكلتي في إدراك ما يجري حولي، مشكلتي أنني أدرك حقيقة النفس البشرية، أعرف أن ثمة من يسرق مستقبلي، أحلامي، خبزي، سعادتي، وحتى تعاستي، يجمع كل مسروقاته في كيس أسود أكبر من كيس السيدة في العيادة بكثير، يأخذ مسروقاته ويترك لي خيبة تحجّرت مع الوقت وبات اسمها “لا مبالاة”.
لطالما ظننت أنني قوية، لم أسمح لموت أبي، فقداني لعملي، علاقاتي العاطفية الفاشلة، والمسؤوليات الكثيرة التي ألقيت على عاتقي رغماً عني، لم أسمح لكل هذا بكسري، فيما غرق الآخرون بخيباتهم حين واجهوا حبيباً خائناً، أو أضاعوا معطفاً جلدياً.
أسير على الرصيف المكتظ بالسيارات ورأسي كخلية نحل، ما الآخرون.. ما الأشياء.. ما الأزمنة.. ما الأمكنة.. وما الكون برمته إلا حقائق مستعارة.. أردت فقط أن أخنق الإجابات.. وأن أخرس الأسئلة.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر