الجندرة والأجور والخلل الهيكلي والقطاعي… أهم اضطرابات سوق العمل مهن البناء الأكثر طلباً خلال الفترة المقبلة والمرأة تثبت أقدامها في مجالات لأول مرة

محمد الواوي – الأيام

عانى سوق العمل السوري، خلال السنوات الماضية من عمر الأزمة، جملة تحديات خانقة جديدة تضاف إلى المعوقات السابقة خلال سنوات الرخاء، وفي الوقت الذي تعلن فيه الدول الأوروبية عن استقبال أعداد كبيرة من العمال السوريين المهرة بشتى أنواع المهن، تواجه البلاد نقصاً حاداً في أكثر مجالات العمل حيوية. استنزاف يبدأ من الطبيب ولا ينتهي بخبير الكهرباء المنزلية أو (التمديدات الصحية). وما زالت مخرجات الجامعات السورية بعيدة عن حاجات السوق الفعلية، كما أدت هجرة الشباب من الذكور إلى ضعف في مفاصل الحركة الاقتصادية، وأسهمت الظروف المعيشية المتدنية وغياب معيل الأسرة التقليدي في دخول المرأة السوق حتى في المهن التي كانت حكراً على الذكور لعقود طويلة، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار في مختلف مناحي الحياة لا تزال الأجور في القطاع الخاص ضمن مستويات منخفضة لا تتناسب مع الواقع.

تحديات سوق العمل

هناك دراسة للباحث د. أيهم أسد، نشرها مركز دمشق (مداد) للأبحاث والدراسات في عام 2019، بعنوان (اختلالات سوق العمل وسياسات تصحيحها في الاقتصاد السوري من 2001 إلى 2017). وقد رصدت الدراسة أربعة أنواع من الاختلالات في سوق العمل ضمن الاقتصاد السوري هي: الاختلالات البنيوية (عدم التوافق بين عرض العمل والطلب عليه)، والاختلالات الأجرية (الاختلاف في الأجور بين القطاعات الاقتصادية)، والاختلالات الجندرية (عدم المساواة بين الرجال والنساء في سوق العمل)، والاختلالات القطاعية (اختلاف توزع قوة العمل على قطاعات الاقتصاد).
ويمكن القول بأن بعض هذه الاختلالات كان موجوداً ما قبل الأزمة لكنه تعمق خلالها لعدة عوامل اقتصادية واجتماعية.
يحدد محمود الكوا،مدير مرصد سوق العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، في لقاء مع “الأيام” جملة التحديات التي تواجه سوق العمل السوري، فمنها ما يرتبط بجانب العرض وأخرى بالطلب، بالنسبة للتحديات من جانب العرض في سوق العمل، ويقصد بها قوة العمل في سوق العمل من حيث الخصائص النوعية، بعد أن أتت الحرب بآثارها السلبية على كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فحدث اختلال جندري، إذ التحق جزء كبير من العمالة الذكورية بخدمة العلم أو هاجرت خارج القطر.
ينتقد نضال بيطار، مدير منظمة المعهد الأوروبي للتعاون والتنمية(منظمة تعمل على تمكين الشباب وتركز على التدريب الحرفي) ثغرات برزت في السوق ما بين القطاع الموظِف والقطاع الراغب بالتوظيف. فالموظف الجديد لا يستوعب فكرة أنه يبدأ من الصفر ما يعني مزيداً من الجهد، لكن جزءاً من الشباب لا يؤمن بالتدرج ويرغب بتحقيق ثراء عاجل. ولا يعول بيطار، من جهة ثانية، على النظام التعليمي رغم أهميته كونه غير كاف لدخول سوق العمل، ويقول “نحتاج إلى برنامج تلمذة صناعية أو غير صناعية وتدريب للطلاب الجامعيين. القطاع الوظيفي يتطلب ثلاث مهارات: معرفة وخبرة وسلوك، وهي ضعيفة لدى الداخلين الجدد على السوق”. ويعتبر بيطار أن القطاع الخاص ما يزال ينظر إلى الموظف كمادةللاستغلال مع راتب متدن، ويؤكد بيطار أن العمالة الأكثر طلباً في سوريا هم أصحاب الورش، لذا يجب أن يأخذ التدريب والمعاهد الحرفية دورها بشكل أكبر.
من جهته، يشرح إيهاب اسمندر،مدير هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لـ “الأيام” معوقات تعترض السوق السورية: من ناحية هناك عدد كبير من العاطلين عن العمل ومن ناحية ثانية قسم كبير من المنشآت تطلب عاملين، ما نسميه البطالة الهيكلية، أي أن المعروض من قوة العمل لا يتناسب مع المطلوب بالضرورة لدى الجهات المشغلة، وهذا الأمر يعالج من خلال برامج التأهيل والتدريب. ولا ينكر اسمندر وجود مشكلة ما بين مخرجات المؤسسات الأكاديمية والمطلوب في سوق العمل، لكنه يقترح معالجتها من خلال توقيع هذه المؤسسات اتفاقيات مع جهات تدريب وتأهيل لردم هذه الفجوة، كما لا يخفي أسمندر بأن مهن البناء مثل التمديدات الكهربائية تستحوذ على مجمل برنامج طالبي العمل، في حين يستحوذ القطاع الصناعي على معظم مجال التشغيل.

مؤشرات

يعاني سوق العمل في الاقتصاد السوري، وفق دراسة للباحث د. أيهم أسد، من اختلال عام، يتجسد على شكل بطالة كلية (ذكور وإناث) مزمنة لم تنخفض بالمتوسط طوال الأمد الواقع بين (2001/2011) عن نسبة وسطية مقداراها (10%) من قوة العمل، بل كانت متراوحة ما بين (8.1%) كأدنى قيمة لها و(15%) كأعلى قيمة لها طوال هذا الأمد نفسه الذي كان فيه الاقتصاد اقتصاداً طبيعياً خالياً من الأزمات المكشوفة، أما طوال سنوات الحرب، فإن معدلات البطالة تلك قد قفزت بشكل كبير جداً إلى مستويات لم يلاحظها الاقتصاد السوري من قبل، فطوال الأمد الواقع بين (2013/2017) وصلت معدلات البطالة وبشكل وسطي إلى نحو (37%) من قوة العمل؛ ذلك بفعل نتائج الحرب الاقتصادية والاجتماعية وما أفرزته من تدمير البنى التحتية والقطاعات الاقتصادية كافة، وتراجع قيمة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة وسطية تقدر بنحو (60%) عما كان عليه عام 2010، وكان أعلى معدل للبطالة في عام 2015، إذ قاربت تلك النسبة نحو (48%) من قوة العمل، فقد أدت الحرب إلى تراجع أعداد المشتغلين في الاقتصاد من نحو (5) ملايين مشتغل عام 2010 إلى نحو (2.6) مليون مشتغل عام 2015، إلا أنه وفي العام 2017 زاد عدد المشتغلين إلى نحو (3.6) مليون مشتغل مقارنة مع عام 2015، لكنه بقي أقل بنسبة (28%) عما كان عليه عام 2010 أيضاً. علماً أن البيانات الإحصائية السورية الصادرة عن المكتب المركزي للإحصاء لا تتضمن أي معلومات عن تغيرات قوة العمل في عام 2012، بسبب عدم القيام بتنفيذ مسوحات قوة عمل في ذلك العام. وتشير البيانات الرسمية المنشورة إلى أن عدد العاملين في القطاع العام كله قد وصل في عام 2010 إلى نحو (1.102) مليون عامل، إلا أن ذلك العدد قد انخفض طوال سنوات الحرب بشكل واضح وبالتدريج ليصل في عام 2017 إلى نحو (921.719) عاملاً، أي أن القطاع العام خسر في 6 سنوات من الحرب نحو (179.719) عاملاً لديه، أي ما نسبته (16%) من العاملين، وذلك لأسباب مختلفة.
يعرج الكوا على مؤشرات أولية عن سوق العمل السوري، قدمها التقرير الأول عن واقع سوق العمل خلال الحرب أجرته الوزارة من خلال مسح بالعينة بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء نهاية عام 2018، ويتوقع نشره قريباً، وشملت العينة 91 ألف فرد من جانب العرض، وأكثر من 5 آلاف منشأة من جانب الطلب. ويبرز الكوا مصاعب السوق بناء على التقرير سابق الذكر بعدة اختلالات منها الجندري والهيكلي، كاشفاً في الوقت ذاته عن دراسة عن العمالة الأنثوية بالتعاون مع الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان بعنوان (المعوقات الاقتصادية والثقافية لدخول المرأة إلى سوق العمل)، وتطمح وزارة الشؤون الاجتماعية من خلالها إلى وضع سياسات تضمن نفاذ آمن للمرأة نحو السوق. ويؤكد الكوا على أن نسبة البطالة هي 15,2%، بحسب المسح الديموغرافي الذي أصدره المكتب المركزي للإحصاء. ولا يغفل الكوا عن ذكر مؤشرات سلبية كشفها مسح سوق العمل منها نقص في العمالة الماهرة والمدربة، ويقول: “نتوقع طلباً كبيراً على هذه العمالة في مرحلة إعادة الإعمار وكل المهن المتعلقة بالبناء”.
يقول بيطار “إلى الآن لا يوجد دراسات وافرة عن سوق العمل وما أنجز متناقض تماماً وغير حقيقي ويعطي أرقاماً مغايرة. أي أن الدراسات بأغلبها كانت تبريرية موجهة، كما أن القطاع الخاص لا يتحمل مسؤوليته الاجتماعية للمساعدة في تحديد احتياجات السوق الفعلية. ويتساءل بيطار: “أين هو دور وزارة الصناعة على أرض الواقع؟ لماذا لا تخلق مركزاً حكومياً للتدريب الحرفي وفي داخله مكتب يقدم فرص عمل”.
أما اسمندر فهو يعول على أكبر مسح شامل من نوعه في سوريا سيشمل قسماً كبيراً من البيانات والمنشآت الإنتاجية والاقتصادية وعمالتها واحتياجاتها، “سنستحوذ على قاعدة بيانات ضخمة بالتعاون مع المكتب المركزي للإحصاء، ستنتهي أواخر 2019 بينما تنتهي مرحلة تحليل البيانات في الشهر السادس من 2020″، مع العلم أن 98% من المشروعات في سوريا هي مشروعات صغيرة ومتوسطة.

دور المرأة

لا يمكن لمراقبي سوق العمل إلا أن يلحظوا تغييرات جديدة تتضمن دخول المرأة السورية، وخاصة ممن خسرن أزواجهن أو ممن أجبرتهن الظروف المعيشية على إعالة أسرهن، وبتنا نشاهد إناثاً يعملن على قيادة باصات وسيارات في شوارع العاصمة وحلب، وكذلك دخول العنصر الأنثوي مجالات جديدة لأول مرة.
ويرى الكوا أن مساهمة المرأة مؤشر إيجابي دولياً، لكن للمفارقة لم يكن كذلك في سوريا. حيث زاد الطلب على قوة العمل دون القدرة على تغطيته من قبل العمالة الذكورية ما دفع السوق إلى تعويض النقص بالعمالة الأنثوية دون وجود منافسة.
يستند بيطار في كلامه على إحصائيات الأمم المتحدة، وهي تؤكد وجود قرى في سوريا تتجاوز فيها نسبة الإناث 70%، وعلى عكس الكوا يعتبر بيطار أن دخول المرأة مؤشر إيجابي، ويقول: “قبل الحرب كانت المرأة تعمل في الزراعة وفي نشاطات تتطلب جهداً عضلياً، وهي قادرة الآن على العمل في الكهرباء والتمديدات الصحية، ما يعني أن المرأة تأخذ دورها الحقيقي في المجتمع بعد أن كانت طاقة معطلة”.
يشيد اسمندر بزيادة دخول المرأة إلى سوق العمل لأن المطلوب منها كبير ثم إنها أصبحت معيل العائلة، ونجحت في دورات الهيئة مثل صيانة الموبايل والأجهزة الحاسوبية والإلكترونية وهي مهن كانت أقرب إلى الذكورية في الماضي، إضافة إلى المهن التقليدية، و”لا نعتبر ذلك عيباً بل على العكس طالما أنها مهن مربحة ومجزية مادياً وليست صعبة إلى حد كبير”.

تدخل حكومي

وفي هذا السياق، يستعرض الكوا طرق تدخل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لإعادة ضبط السوق بعد حالة من التشتت نتيجة الحرب، إذ فعلت الحكومة (مرصد سوق العمل) خلال عام 2016، وفي شهر شباط 2018 أطلقت الوزارة أول أداة تدخلية على المستوى المحلي وهي مركز تمكين الشباب (مركز الإرشاد الوظيفي وريادة الأعمال) لسبر احتياجات القطاع الخاص والشواغر الموجودة فيه، ويستخدم عدة أدوات لتحقيق أهدافه من ضمنها التدريب في مكان العمل وبرنامج التدريب المنتهي بالتشغيل وملتقيات التوظيف التي نفذ منها 4 ملتقيات، ومهارات التوظيف ضمن المركز التابع للوزارة. و”نحن بصدد فتح 8 مراكز لتمكين الشباب في محافظات دير الزور والحسكة وحلب وحماة واللاذقية وطرطوس والسويداء حتى نهاية 2019 “. كما نفذت وزارة الشؤون برنامج (أنا أستطيع) من خلال إقامة مركز تدريب مهني لـ 17 مهنة مختلفة مثل الدهان والأعمال الصحية والكهرباء المنزلية لتمكين المرأة في مدينة جرمانا بريف دمشق. وتسعى الوزارة لإحداث مركز جديد للتدريب المهني في منطقة الكسوة بشكل تجريبي لدراسة إمكانية التوسع في باقي المحافظات في عام 2020.
يشير اسمندر إلى أن الهيئة تساهم في تطوير سوق العمل عبر برنامج طالبي العمل وبرنامج التدريب من أجل التشغيل المضمون. البرنامج الأول يؤهل العاملين على دخول سوق العمل بعد تأهيلهم بمهن معينة، وبرنامج التدريب من أجل التشغيل المضمون يؤهل العاملين وفق اختيارات معينة تحددها الشركات التي يتم توقيع اتفاقيات معها. بينما في التدريب الآخر تطلب الشركات الخاصة عمالة من خلال الهيئة باختصاصات معينة، فتختار الهيئة ممن سجل لديها ويرغب بالعمل لدى الغير.
ما زالت مسألة تنظيم سوق العمل شائكة، وهو ما يعترف به المسؤولون في أكثر من مناسبة لعدم وجود تعاون جوهري ما بين جهات القطاع الخاص ومؤسسات البحث العلمي والإحصاء الرسمية. وفي النهاية، لا يمكن تشخيص أوجاع سوق العمل السوري بدقة دون وجود مؤشرات رقمية وبيانات وإحصائيات شاملة تقدمها دراسات حكومية متكاملة لمختلف القطاعات الاقتصادية، والمنشآت والحرف والمؤسسات، إضافة إلى أعداد المشتغلين بها وتوزعاتهم الجغرافية، لسبر الاحتياجات وتوجيه العمالة نحوها بما يسهم في نهضة اقتصادية تنفض غبار الحرب.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر