المهام الجسام تهدّ الأجسام

براءة الطرن – الأيام

عدة شهور مرت وأنا أبحث عن عمل دون جدوى، استسلمت مؤخراً وتقدّمت لمسابقة توظيف في مؤسسة حكومية، تم قبولي فوراً لأن من نصحني بتقديم أوراقي رجل ذو مكانته هناك، وباشرت العمل.
أتشارك المكتب مع أربعة موظفين، كما نتشارك الوظيفة بما فيها من مهام، تواقيع، وأختام.
ساعات الدوام من الثامنة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر، وأيام العطل معروفة، يومي الجمعة والسبت.
يبدو العمل مثالياً، ومريحاً، إلا أني لم أكن سعيدة، لم أكن سعيدة على الإطلاق.
وعلى اعتبار أن الإنسان في رحلة بحث دائمة، وعلى اعتبار أني قد وجدت عملاً صار علي أن أبحث عن سبب عدم سعادتي في هذا العمل.
أصدقائي قد لا يفهمون ذلك أحياناً، وقد يكونون سبباً أحياناً أخرى، فهم موظفون في شركات القطاع الخاص، وأنا موظفة في مؤسسة قطاع عام، والفرق بين الشركة والمؤسسة، بين القطاع الخاص والقطاع العام، مقارنات تؤخذ بعين الاعتبار، مع العلم أني أستبعد المرتب من الدائرة، لأنه يخربها، وينهيها.
المشكلة تكمن في شعور أصدقائي حيال عملهم، وشعورهم تجاه أنفسهم أيضاً، الضغط الذي يرزخون تحته، المسؤولية التي يحملونها، كل تلك الـMeetings التي يحضرونها، المهمات الملقاة على عاتقهم، السهر، الشعور الدائم بأهمية ما يفعلون، عدم قدرتهم على إغلاق هواتفهم المحمولة لأن الهاتف المستعجل لا وقت له، الإيميلات دائمة الوصول، الساعة المضبوطة التي لا تسمح بالتأخير، وإضطرارهم بالرغم من ذلك لإلغاء مواعيدهم بعد انتهاء ساعات الدوام لأن الدوام لم ينته بعد، الوظيفة لم تكتمل، ولا أحد يستطيع أن يحل محل أحد في المهام، التواقيع، والأختام.
لم أستطع أن أواجه كل تلك المصطلحات الإنكليزية التي يستخدمونها وأنا أستيقظ عندما يحلو لي لأني أعمل في مكان يغيب فيه مراقب الدوام، ويغطي الموظف غياب أخيه ليرد له المثل، أتناول فطوري على طاولة مكتبي الخالية من أية أوراق ذات أهمية، أشرب ما يزيد عن ركوتي قهوة وعلبة سجائر وأنا أنفخ دخانها وأنفخ ضجراً لأن لا دور لي أقوم به، والكهرباء تنقطع فتقطع علينا إتمام لعبة الورق، أو الشطرنج أحياناً.
لذا كان علي أن أدّعي الضغط، المسؤولية، أن أكذب حول الاجتماعات التي أحضرها، أكذب في كوني أحضر اجتماعات أصلاً، أبالغ في وصف المهام التي أقوم بها، أدّعي أني أتأخر جداً في العودة إلى البيت، أضطر أحياناً للمبيت في المكتب، لأني شخص ذو منصب لا يمكن الاستغناء عنه سوى لساعات النوم القليلة، لا إجازات عندنا، لا استراحات للغداء، كما أن التدخين لم يعد ممنوعاً فحسب، بل قد يتسبب في طردنا من العمل.
لم أستطع أن أواجه كل تلك التعاسة التي يواجهونها لأنهم لا يجدون وقت فراغ ليحكوا رؤوسهم بتعاستي التي أواجهها لأني لا أجد ما أفعله.
كان تذمري سيقلل من أهمية ما أقوم به والتي تكاد تكون أهمية معدومة لانعدام ما أقوم به.
لذا صرت أتذمر أيضاً، وأشكو، وأستاء.
ثم فجأة كنت الأكثر شجاعة بينهم، قررت ترك العمل!
لم أعد أحتمل كل ذلك الضغط الذي أرزخ تحته، لم أعد أقوى على حمل هذه المسؤولية.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر