بلد بلا محللين ولا مفسرين .. للمرة الأولى أزمة لا يحللها 23 مليون سوري

مروة ياسين – الأيام

رشفة شاي تليها سحبة عميقة من سيجارته يغمض فيها إحدى عينيه، ومن ثم زفير طويل مثل طول النقاش الذي سبقه، لينهيه بجملة أشبه بالخلاصة: “أخي هي لعبة وسخة”.. هذا هو الشكل النموذجي للمحلل الفلهوي الذي لابد أن هنالك الكثير منه حولنا، إذا لم نكن نحن هو في كثير من الأحيان.
في كل أزمة تمر على هذه البلاد اعتاد أهلها أن يستفيقوا على قرابة الـ20 مليون يفسرون ما يجري، وقرابة الـ 20 مليون تحليل عميق، توضح من هو السبب وراء كل أزمة نعشيها، وبقيت البلاد على هذا الحال طوال التسع سنوات الماضية، الكل يحلل كل أزمة والكل يصفن ليفكك خيوط المؤامرة ليصل إلى نتيجة غالباً يكون مفادها عند المسؤولين الحكوميين أن الهدف من كل ما يجري هو النيل من عزيمة هذه الأمة، علماً بأن هذا هو الهدف ذاته الذي يتكرر في كل أزمة مهما كبرت أو صغرت، وسيظل يتكرر كل مرة حتى لو كانت أزمة محارم..!
أما نتيجة تلك “الصفنة” ذاتها عند الشعب فهي عدة تحليلات تبعاً لنوعية كل أزمة، فمنهم من كان محللاً عسكرياً يحزر نوع السلاح المستخدم بمجرد سماع صوته، ومنهم من كان محللاً سياسياً يطلق تنبآته لطبيعة العلاقات الخارجية المستقبلية، ومنهم المحلل المحلي الذي يفسر مختلف الأزمات الداخلية كشح الخدمات وما شابه.
وتتباين التحليلات والتفسيرات تبعاً لبضعة عوامل، مثل بيئة كل مواطن (أقصد محلل) وعمله ومكان سكنه، ومع كل ذلك فكل واحد من تلك الملايين يطلق تفسيره بطريقة ربما تكون على بساطتها أكثر إقناعاً ومنطقية من التصريحات الحكومية.
أزمة الدولار كسرت القاعدة..
حالة من الذهول.. التوتر.. والضياع يشهدها الشارع وسط تخبط في سعر صرف الليرة السورية، ولكن هذه الأزمة هي الأولى التي لم تجد لها 20 مليون محلل، بل كان الجميع يبحث فيها عن محلل يشرح له فعلاً سبب ارتفاع قيمة “الملعون” على حد وصفهم، وقيمة كل السلع معه وبشكل أكثر لعنة منه، وذلك ليس ضعفاً منهم إنما بسبب غموض الظروف المحيطة، فوتيرة الحرب التي كان يُحمل على عاتقها كل المصائب قد انخفضت، وفواتير الحرب بشكل أو بآخر دُفعت، فكيف سيجدون مبرراً يفسرون به ارتفاع الدولار الآن؟
لكن بالمقابل لم يخل الأمر من عدد لا بأس به من الاقتصاديين المتحمسين والمجهولين والجاهلين الذين ظهروا فجأة في حياة الناس وبين منشوراتهم في الموقع الأزرق وعلى الفضائيات الوطنية، وبدؤوا فوراً باقتراح الحلول سريعة المفعول، والتي ليس بيدك حيلة لتنفيذها، أو لفهمها حتى.
أحد هؤلاء اقترح، في الفيسبوك، تقسيط بدل الخدمة العسكرية على اعتبار أن هناك عدداً كبيراً ممن يرغبون دفعه ليعودوا قبل أن تضيع عليهم المزيد من الأزمات وهم في الخارج..
آخر عمد، في الفضائية السورية، إلى كشف خيوط المؤامرة التي “تحاك ضد الشعب، لتحاربه في آخر محطة له وأكثرها حساسية ألا وهي لقمة عيشه”، وهنا تجدر الإشارة إلى أنها آخر لقمة في صحن عيشته الرئيسي بعد أن فقد كل المقبلات والعصائر التي كانت تساعده على بلع وجبته الوحيدة والإجبارية بكل ما فيها، وبالرغم من ذلك فإنها ومن وجهة نظر المحلل الاقتصادي المحنك أمر من المعيب التوقف عنده أو الاستسلام له “بعد أن صبرنا على ظروف أقسى وأكثر كارثية منه”، علماً أن تحليله ذاك جاء بعد أن أدمت قلبه كما عينه شكوى أحد الآباء من عجزه عن شراء قطعة حلوى لأحد أطفاله كي لا يشتهيها أخوته في حين لا يستطيع تلبية إلا رغبة واحد فقط!.
وأين ذهب العشرون مليون محلل؟!
لقد وصل “العبث” إلى أعلى مستوى له، فتوقفت عقول الناس عن إطلاق التحليلات المنطقية وغير المنطقية، كما توقف خيالهم عن نسج السيناريوهات التفسيرية.
يبدو أن القلق الشديد يطيح برغبة الفهم.. والأكيد أن غريزة البقاء أقوى من حب التنظير.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر