في الحرب تتعطل الأحلام وتعمل المكانس .. نساء يعملن بشرف لتنظيف قذاراتنا

زينة شهلا – الأيام

“لا.. لم أعمل من قبل بمهنة كهذه”، تقول أم صلاح الأربعينية بابتسامة عريضة ترتسم على شفتيها وتضيء وجهها المتعب، وتتابع عملها للحظة ثم تتوقف لتضيف: “بس الشغل مو عيب. ونحنا ما منخجل من شغلنا”، تلوّح بيديها المغطاتين بقفازَين أصفرَين مهترئَين، وإلى جانبها تقف فريال، وهي فتاة ثلاثينية، والتي تهز برأسها مؤكدة على هذه الفكرة: “عيب عاللي قاعد ببيته أو ناطر يجي الشغل لعنده”.
تنظر السيدتان من مكان وقوفهما يميناً نحو آخر الشارع ثم يساراً باتجاه نهايته الأخرى، وتتهامسان بأن أمامها عمل كثير، والنهار لا يزال في بدايته. “لازم ننظف هاد الشارع كله، من ساحة الروضة لآخر الطريق اللي بيودي على ساحة السرافيس”، تشرح لي أم صلاح وهي تحاول بإشارات من يديها التأكيد على صعوبة العمل وطول المسافة التي يتعين عليها هي وزميلتها وبضعة عمال آخرين تنظيفها من القمامة بشكل يومي. “هو الشغل منيح، بس لو يكون في معنا عمّال أكتر، بيكون أسهل”.
منذ بضعة أشهر، قررت أم صلاح مغادرة مدينة دير الزور، والتي عاشت فيها كل حياتها، والمجيء إلى العاصمة مع زوجها وابنتيها بحثاً عن حياة أفضل، وفرصة عمل لم تتمكن من العثور عليها في مدينتها. استقر بها المقام في مدينة جرمانا شرق دمشق، حيث وجدت منزلاً في أطراف المدينة، وعملاً مع واحدة من الشركات الخاصة المسؤولة عن تنظيف الشوارع وجمع النفايات. “تحمّلنا كل سنين الحرب والقصف والمعارك بالدير، لكن المعيشة من دون شغل مستحيلة”، تشرح وكأنها تريد تبرير سبب نزوحها، لنفسها ربما قبل أي أحد.
لم يكن العمل منقذاً للسيدة وابنتيها وزوجها فقط، وإنما لبقية عائلتها المكونة من اثني عشر شخصاً، والتي اضطرت أم صلاح لتركها في دير الزور، والاكتفاء بإرسال مبالغ شهرية لها تعينها على تحمل تكاليف الحياة. “من الصعب أن نأتي جميعنا إلى دمشق، فالعثور على منزل يتسع لنا سيكون أشبه بالمهمة المستحيلة. أما نحن الأربعة، فقد تمكنا من استئجار منزل “على العظم” دون نوافذ أو أبواب في الطابق الخامس من أحد الأبنية حديثة الإنشاء بخمسة عشر ألف ليرة. هو بارد قليلاً، لكن ما باليد حيلة”.
يقع منزل أم صلاح في منطقة دف الصخر، وهي واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً سكانياً في جرمانا، وقد استقبلت نازحين من كل المحافظات السورية، ومع عملها هي وزوجها في شركة التنظيف نفسها تمكنت من تسجيل ابنتيها في واحدة من المدارس القريبة، ومن تأمين مصاريف الحياة الأساسية.
قريباً منها تعيش فريال، والتي نزحت مع عائلتها من ريف حلب منذ حوالي ست سنوات إثر دمار منزلهم واحتراقه. بعد تنقلها في عدة مهن كالعمل في ورشات للخياطة أو معامل للمواد الغذائية، وجدت فريال بأن هذه المهنة الجديدة هي الأفضل، فساعات العمل لا تتجاوز السبع ساعات مقارنة بعشر ساعات في أماكن أخرى، والدخل الشهري معقول ويبلغ قرابة خمس وأربعين ألف ليرة كما تقول. “صح يمكن منسمع تعليقات ما كتير حلوة، بس المهم عم نشتغل”.
لا تشغل تلك التعليقات بال أم صلاح كثيراً، رغم أنها تقطب حاجبيها غضباً عندما تتحدث عنها. “في ناس بتقول علينا زبالين، وناس بتضحك، وناس بترفض تساعدنا. وفي ناس كتير منيحة منسمع منها عبارات التشجيع والاحترام”.
تشتكي السيدة وزميلتها من أمور أكثر إلحاحاً، ومنها ضغط العمل الكبير مع قلة عدد الموظفين في هذه الشركة وغيرها من الشركات المسؤولة عن تنظيف المدينة، ومعظمهم من الفتيات والسيدات النازحات والمقيمات في جرمانا، وعدم تعاون كثير من أصحاب المحال في إخراج القمامة ورميها ضمن الأماكن المخصصة لها، إضافة للعبء المعيشي الكبير الذي يعاني منه جميع السوريين اليوم. “يا ترى في زيادة راتب إلنا كمان؟”، تسألني وتنتظر إجابة شافية. “سمعنا في زيادات على الراتب، ونحنا شو وضعنا؟”.
لا تفكر أم صلاح سوى بأولادها الذين تركتهم بعيدين عنها مئات الكيلومترات. بعينين دامعتين، تسترجع تفاصيل كثيرة عن حياتها وعائلتها التي فرّقت الحرب والبطالة والظروف الاقتصادية الصعبة شملها. تتحدث عن أحلام دفنتها خلال سنوات الحرب، وأخرى تحاول إحياءها من جديد.
“بحلم؟ أكيد بحلم. كان عنا أحلام كبيرة، أنا وعائلتي. وهلأ، صغرت الأحلام وصار بس بدنا أنو نرجع نلتقي، ونرجع عيلة وحدة متل زمان. ما كنت بيوم أتوقع أترك ولادي. كنت مفكرة أني جبت الولاد لأرتاح، بس الحرب غيرت كلشي”. تتفق فريال مع زميلتها. الحرب غيّرت كل شيء.

الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر