أمّة يوهن نفسيتها “بوست”

حبيب شحادة

كثرت في سوريا مؤخراً ظاهرة الحديث عن الجرائم الالكترونية. أصبح أي صحفي أو حتى مواطن عادي مُعرضاً لضربه بسيف قانون الجرائم الالكترونية رقم (17)، الذي بقيّ حبراً على ورق منذ عام 2012 (تاريخ صدوره) وحتى عام 2018 حين صدر قرار بإحداث ضابطة عدلية تُعنى بالجرائم الالكترونية الداخلية فقط.

يمكن القول بأنّ ما يجري في سوريا من تقييد لحرية الرأي على السوشل ميديا (طبعاً لن نتكلم عن منصات أخرى كونها مُقيدة حُكماً) يُعتبر نكوصاً للوراء وانحطاطاً مؤسساتياً لا سابق له. وإلا ما تفسير هذه الرقابة الصارمة على منشورات العديد من الصحفيين وكذلك الناس العاديين.

ورغم اعتراف وزير الإعلام بوجود “ألف عيب وعيب، ومئة مشكلة ومشكلة في وزارته”، واعتباره أنّ هذا أمر طبيعي (طبيعي؟) مع ذلك يَعتقد أنّ إدارته للمؤسسة الإعلامية ناجحة. يبدو أنّ النجاح يكمن في استمرار البث والصدور للمرئي والمكتوب من الوسائل الإعلامية. 

كما لا يبدو أنّ كلام الوزير عن التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بكل هدوء وواقعية ومهنية، واقعياً. وإلا كيف يُفسر استدعاء صحفي منذ أيام وتهديده بسيف الجرائم الالكترونية إن لم يحذف ما كتبه على صفحته الزرقاء. حيث اعتبر أحد المسؤولين أنّ بوست ذاك الصحفي يُوهن عزيمة الأمة.

يقول الصحفي: إنه بتاريخ 5/11 اتصلوا به من وزارة الإعلام ودعوه “لفنجان قهوة”. لِيُفاجأ بأنّ المطلوب منه التراجع عما كتبه. كما قُدّم للصحفي وجبة دسمة في الوطنية، وكيف استغل الآخرون هذا البوست الفيسبوكي للنيل من عزيمة الأمة. (هنا أحسَّ الصحفي نفسه وكأنه روبرت فيسك، أو سيمور هيرش).

قانون للجرائم الالكترونية مُسلط على رقاب الناس والصحفيين، والتهمة المُعلبة جاهزة دوماً. حيث شُرّع القانون وخصوصاً بالمادة (30) التي جعلت الجريمة التي تمس الدولة والسلامة العامة دون شرح، وترك بابها مفتوحاً لمسؤولي الجرائم الالكترونية يدخلون به من يشاؤون.

وهنا لا يمكن لكاتب هذه السطور إلا استذكار ما حدث مع رئيس البرلمان السوري عام 1954 ناظم القدسي، والذي روي عنه أنّه عندما كان رئيسًا للبرلمان عام 1954، ترك كرسيه وجلس بين النواب، وأخرج صحيفة (الرأي العام) السورية، وقال: “لقد وجهت لي الجريدة تهمة مفادها، أنني أمرت بفتح شارع يمرّ قرب قطعة أرضٍ لي بهدف رفع سعرها”، ووضع نفسه تحت تصرف البرلمان، لتقديمه للمحاكمة، إن ثبتت التهمة. تشكلت اللجنة وأقرت براءته، فوقف من جديد في البرلمان، وقال “إنني أسقط حقي في إقامة دعوى على الصحافي القدير الأستاذ أحمد عسة، رئيس تحرير جريدة (الرأي العام)، احتراماً مني لحرية الصحافة، وتقديراً لاهتمامه بالمصلحة العامة”.

خمس وسبعون عاماً بين ما حدث مع “ناظم القدسي”، وبين ما يحدث اليوم. فارق زمني كبير. لكنه بالتأكيد مُؤشر خطير لا يحتاج لعناء الشرح والتوضيح لما آلت إليه أوضاع البلاد والعباد من سوء الحال والأحوال، خصوصاً لجهة حرية الرأي والتعبير المصونة دستورياً.

صحيفة الأيام

شارك على:

Share on facebook
Facebook
Share on telegram
Telegram
Share on twitter
Twitter
Share on whatsapp
WhatsApp

شارك رأيك

يرجى تعبئة الحقول أدناه لاطلاعنا على شكواك….لا تقلق سنعرض اسمك ممثلاُ بأول حرفين من الاسم والكنية.

ارســـل

شكوى

يستخدم الموقع ملفات تعريف الارتباط للتأكد من حصولك على أفضل تجربة في موقعنا، تعرف اكثر